الاثنين، 17 يونيو 2013

الرابطة السورية للأمم المتحدة: كيف تأسست؟ ماذا فعلت؟ ما مستقبلها؟

مذكرات ست من الدكتور جورج جبور

إلى السيد رئيس مجلس الوزراء: 1990 – 1997

 
منذ غزو الرئيس العراقي صدام حسين دولة الكويت، في 2/8/1990، بدأت مرحلة جديدة من تدخل الأمم المتحدة في شؤون المنطقة، انتهت بعمل عسكري هو الأكبر في كل تاريخ المنظمة الدولية، أو على الأقل منذ النزاع الكوري عام 1950. سادت سورية والبلاد العربية والعالم أجواء توتر عنوانه: ماذا ستفعل الأمم المتحدة؟ ما مصير العراق ومصيرنا إن أصبحنا في قبضتها.

ضمن تلك الأجواء اقترحت على اتحاد الكتاب العرب عقد ندوة بمناسبة يوم الأمم المتحدة الذي يصادف الرابع والعشرين من الشهر العاشر من كل عام. عقدت الندوة مساء 29/10/1990 وهذا نص ما ورد في بطاقة الدعوة:
 

            يتشرف اتحاد الكتاب العرب بدعوتكم للاستماع إلى الندوة التي يتحدث بها

 
الدكتور جورج جبور

والدكتور محمد زكريا إسماعيل

بعنوان:

"الأمم المتحدة والسياسة الدولية وما يخصنا كعرب"
 

أثرتُ في الندوة موضوع إنشاء رابطة سورية للأمم المتحدة. تحدث بعدي الدكتور محمد زكريا إسماعيل، وكان لسنوات معاوناً لوزير الخارجية السورية ، فأيد لاقتراح.

في اليوم التالي (30/10/1990) وجّهت إلى السيد رئيس مجلس الوزراء مذكرة أولى لم أبلَّغ بأي أثر لها.

كانت أوفر حظاً مذكرة ثانية مؤرخة في 22/9/1992. عنوانها: يوم الأمم المتحدة: بيان ورابطة. عادت إلي صورة منها مع تأشير رئيس مجلس الوزراء في 29/9/1992 بالإحالة إلى السيد وزير الخارجية. انتهى علمي بمسارها عند ذلك الحد، لم أبلَّغ بأي أثر آخر.

في عام 1993، بمناسبة يوم الأمم المتحدة، ألقيت محاضرة في المركز الثقافي العربي (أبو رمانة) بدعوة من اتحاد شبيبة الثورة. واستباقاً للمحاضرة وجهّت مذكرة ثالثة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء بتاريخ 3/10/1993 عنوانها: يوم الأمم المتحدة: بيان ورابطة ولجنة للاحتفال بالعيد الخمسيني. عادت إلي المذكرة مع تلخيص قام به المكتب الخاص هذا نصه "مدى وجوب الاهتمام بيوم الأمم المتحدة في 24/10" وانقطع الأثر.

أما المذكرة الرابعة فتاريخها 24/10/1994 وعنوانها: يوم الأمم المتحدة: بيان ورابطة. بعد سنتين صدور بيان وتبقى الرابطة. عادت إلي صورة المذكرة بها تأشيرة شوهد. ثم لا أثر. الا انني، بدهاء غير مؤذ، وزعت هذه المذكرة في 7 تشرين اول 2010  بمناسبة انعقاد الهيئة العامة للرابطة  وعليها هذه الملاحظة: تظهر هذه المذكرة ان الخارجية سمعت كلمتي  بشأن اصدار بيان  ثم بعد عشر سنوات سمعت كلمتي  بشأن انشاء رابطة.

بعد سنتين كانت مذكرة خامسة مؤرخة في 10/10/1996 عنوانها طويل كما يلي: هل بالإمكان التسريع في الحصول على الموافقة اللازمة لكي تبصر النور الرابطة السورية للأمم المتحدة قبل حلول يوم الأمم المتحدة لهذا العام؟ كان مبرر المذكرة ما علمت به شخصياً من أن وزارة الخارجية رفعت إلى القيادة القطرية مذكرة تطلب بها الموافقة على إنشاء الرابطة. لم يأت من هذه المذكرة أثر أعرفه، كما لم أعرف مصير مذكرة الخارجية إلى القيادة القطرية.

ثم كانت مذكرة سادسة في 15/9/1997 نتجت عن تصريح للسيد سميح الصلح قرأته في جريدة النهار بتاريخ 12/9/1997. كان عنوان المذكرة مثيراً وتنبؤياً: المنظمة السورية للأمم المتحدة: هل سيساعدنا اللبناني سمير الضاهر على تأسيسها؟ لم أعرف للمذكرة أي أثر. إلا أنني إذ أكتب هذه الأسطر في 22/5/2013 – استعداداً لندوة الرابطة عن نفسها في 17/6/2013 – وقفت عند جملة ذات دلالة عميقة: "في أحايين كثيرة، عندنا وعند غيرنا، قد يتم الاستماع إلى الغريب دون القريب. تلك خصيصة من خصائص الطبيعة البشرية. ثم إن اللبناني ليس غريباً عن سورية وفيها. إذا حاول إقناعنا الأستاذ الضاهر فإني أسأل الله له النجاح".

وبالفعل كان للأستاذ الضاهر دور في إقناع وزارة خارجيتنا بأمر ابتدأتُ به عام /1972/، ولديّ وثائقه، حين حاولت إنشاء رابطة سورية أو رابطة سورية – لبنانية موحدة. وبالمناسبة فقد أرسل لي الأستاذ الضاهر قبل أيام صورته مع الأستاذ وليد المعلم في وزارة الخارجية السورية.
 

22/5/2013                                                     جورج جبور
 

السيد رئيس مجلس الوزراء

 
الموضوع: رابطة سورية للأمم المتحدة:

عقدت في اتحاد الكتاب العرب مساء الاثنين 29/10/1990 ندوة بعنوان: "الأمم المتحدة والسياسة الدولية وما يخصنا كعرب"، حضرها لفيف من المهتمين السوريين في طليعتهم السيد أنور مريدن. كما حضرها سفيرا مصر والسودان بدمشق.

دعوت في الندوة إلى إنشاء رابطة سورية للأمم المتحدة، وأيّد دعوتي الدكتور محمد زكريا إسماعيل الذي أضاف إلى التأييد استغرابه من تفرد سورية من بين كل الأقطار العربية بخلوها من وجود مثل هذه الرابطة.

أقترح التكرّم بالموافقة على إحالة موضوع إنشاء رابطة سورية للأمم المتحدة إلى اللجنة الثقافية الوزارية و/أ وزارة الخارجية.
 

دمشق في 30/10/1990                                     جورج جبور                                                    
 

السيد رئيس مجلس الوزراء

 
الموضوع: يوم الأمم المتحدة: بيان ورابطة:

يحتفل العالم بيوم الأمم المتحدة في 24/10 من كل عام.

ومناسب إصدار خارجيتنا بياناً عن نظرتنا إلى الأمم المتحدة في دورها الذي يتجدد ضمن أطر معيّنة معروفة.

ومناسب أيضاً إنشاؤنا رابطة للأمم المتحدة أسوة بما عليه الحال في معظم دول العالم وفي عدادها الدول العربية.

وقبل عامين أقام اتحاد الكتاب العرب بهذه المناسبة ندوة تحدثت بها وطرحت فيها فكرة إنشاء الرابطة المرجوة. وتحدث بعدي الدكتور محمد زكريا إسماعيل. الرئيس المناوب لوفدنا في محادثات واشنطن وأيّد الفكرة.

أقترح إحالة هذه المذكرة إلى السيد وزير الخارجية لأخذ العلم والدراسة، واثقاً أن نتيجة الدراسة ستتوج بما دعوت إليه في هذه المذكرة.
 

دمشق في 22/10/1992                                     جورج جبور
 

السيد رئيس مجلس الوزراء

 

الموضوع: يوم الأمم المتحدة (24/10/1993): بيان ورابطة ولجنة للاحتفال بالعيد الخمسيني:

يحتفل العالم بيوم الأمم المتحدة في 24/10 من كل عام.

ومناسب إصدار خارجيتنا بياناً عن نظرتنا إلى الأمم المتحدة في دورها الذي يتجدد ضمن أطر معينة معروفة. ومن الخطير جداً هذا العام أن الجمعية العامة سيطلب منها تغيير بعض قراراتها بشأن إسرائيل، وربما كان ما سيجري مقدمة لكي يغير مجلس الأمن بدوره صياغة قراراته – وإلى القرارين /242/ و/338/ أشير – البيان الذي أرى مناسباً صدوره في 24/10/1993 ينبغي إذن أن يكون على درجة عليا من الجدية والأهمية.

ومناسب أيضاً إنشاؤنا رابطة للأمم المتحدة أسوة بما عليه الحال في معظم دول العالم وفي عدادها الدول العربية.

وأخذت تتشكل في بعض الدول لجان للاحتفال بالعيد الخمسيني لإنشاء الأمم المتحدة (الذي يصادف 24/10/1995) ومن المناسب، على الأقل في صعيد عنايتنا بإعلامنا الخارجي ، إعلاننا إنشاء لجنة لهذا الغرض.

هذا وسأذكر الاقتراحات الثلاثة السابقة في المحاضرة التي سألقيها بمناسبة يوم الأمم المتحدة بالمركز الثقافي العربي بدمشق يوم 24/10/1993.

أقترح إما:

1)     إحالة هذه المذكرة إلى السيد وزير الخارجية لأخذ العلم والدراسة والتنفيذ رغم أنكم تفضلتم في 29/9/1992 بإحالة مذكرة مماثلة إليه، ولم تنتج شيئاً على ما يبدو.

2)     أو:تكليفي مباشرة بالتنفيذ.
 

دمشق في 3/10/ 1993                                        جورج جبور

 

السيد رئيس مجلس الوزراء

 

الموضوع: يوم الأمم المتحدة: بيان ورابطة. بعد سنتين صدر بيان وتبقى الرابطة:

تفضلتم فأحلتم إلى السيد وزير الخارجية، يوم 29/9/1992، مذكرتي بعنوان: يوم الأمم المتحدة:بيان ورابطة وتاريخ 22/10/1992. وأرفع لسيادتكم صورة عنها.

وفي صحفنا اليوم نص بيان ممتاز أصدرته الخارجية بهذه المناسبة.

ويبقى على وزارة الخارجية أن تأخذ الخطوات اللازمة لإنشاء رابطة سورية للأمم المتحدة أسوة بما عليه الحال في معظم الدول العربية وفي معظم دول العالم.

أقترح إحالة هذه المذكرة إلى السيد وزير الخارجية لأخذ العلم والدراسة، واثقاً أن نتيجة الدراسة ستتوج بما دعوت إليه فيها.

  دمشق في 24/10/ 1994                                 جورج جبور
 

السيد رئيس مجلس الوزراء

 

الموضوع: هل بالإمكان التسريع في الحصول على الموافقة اللازمة لكي تبصر النور الرابطة السورية للأمم المتحدة قبل حلول يوم الأمم المتحدة لهذا العام؟

علمت أمس أن وزارة الخارجية السورية قامت بخطوة أدعو منذ ربع قرن للقيام بها، ألا وهي تبنيها لفكرة إنشاء رابطة سورية للأمم المتحدة.

وعلمت بأنه تم رفع كتاب بهذا الشأن من وزارة الخارجية إلى القيادة القطرية.

ولأن القيادة قد لا تعطي للموضوع الأسبقية المناسبة، لذلك فقد رأيت التوجه إليكم راجياً العمل على تسريع الحصول على موافقة القيادة القطرية، ذلك أن يوم الأمم المتحدة إنما يأتي بعد أسبوعين بالضبط (24/10/1996). ومن المناسب جداً لنا – وقد نضجت فكرة إنشاء الرابطة المنشودة – أن نعلن قيامها في الموسم السنوي للدفق الإعلامي عن الأمم المتحدة مستفيدين من هذا الدفق.

دمشق في 10/10/1996                                      جورج جبور

 

السيد رئيس مجلس الوزراء

 

الموضوع: المنظمة السورية للأمم المتحدة: هل سيساعدنا اللبناني سمير الضاهر على تأسيسها:

تتوالى، منذ عام 1972، مذكراتي المنادية بإنشاء منظمة سورية للأمم المتحدة.

وكما ذكرت في كتابي: الأمم المتحدة والسياسة الدولية (دمشق، دار الأنوار، 1994) فقد أثرت الموضوع في مذكرة رفعتها إلى السيد رئيس الجمهورية عام 1972. وناقشتها تفصيلاً مع السيد محمود الأيوبي الذي كان آنذاك نائباً للسيد الرئيس. ونتيجة المناقشة حسبت أن الأمر أصبح قيد التنفيذ. (ص62).

وأقرت الفكرة قبل عامين تقريباً اللجنة السياسية في الخارجية السورية. وجاء إقرارها لها بناء على مذكرة من الأمين العام للأمم المتحدة.

الجديد في هذا الموضوع القديم أن جريدة النهار (12/9/97) نسبت إلى الأستاذ سميح الصلح (وهو شخصية لبنانية بارزة وله صالون سياسي) قوله إن الفيدرالية الدولية لمنظمات الأمم المتحدة عهدت إلى الأستاذ سمير الضاهر رئيس منظمة لبنان للأمم المتحدة "مهمة تأسيس منظمات وطنية للأمم المتحدة في دول الشرق الأوسط". ومن المعلوم أن الأستاذ الصلح هو أمين عام المنظمة المذكورة.

أقرب دولة إلى لبنان هي سورية، ومن المفترض أن الأستاذ الضاهر سيبدأ في دمشق محاولة تنفيذ ما عهد إليه به من إنشاء منظمات وطنية للأمم المتحدة.

ومن يدري؟ قد يستطيع الأستاذ الضاهر إقناعنا بإنشاء المنظمة.

في أحايين كثيرة، عندنا وعند غيرنا، قد يتم الاستماع إلى الغريب دون القريب. تلك خصيصة من خصائص الطبيعة البشرية. ثم أن اللبناني ليس غريباً عن سورية وفيها. وإذا حاول إقناعنا الأستاذ الضاهر فإنني أسأل الله له النجاح. ذلك أن مثل هذه المنظمة مفيدة لسورية.

أرجو التكرم بإحالة هذه المذكرة إلى وزارة الخارجية السورية.      
 

دمشق في 15/9/1997                                      جورج جبور

 

                                                                         (انتهى).

السبت، 27 أبريل 2013

داود حيدو المطمئن العفيف

"من كتاب: داود حيدو: الغائب..الحاضر (دمشق، من منشورات الحزب الشيوعي السوري الموحد، 2013). يقع الكتاب في 320 صفحة ويشغل اهذا لمقال الصفحتين 277 و278."




وطني غيور، عالم اقتصادي، محب للجميع، مطمئن النفس، عفيف اليد. وبما أن العمل الذي من خلاله عرفه الناس أكثر ما عرفوه هو مهمته في مكتب تسويق النفط، فمعنى ذلك أن علينا وضع عفة اليد الأولى بين صفاته.


لا أذكر بالضبط متى عرفت داود حيدو أو متى التقيت به لأول مرة. من المرجح أنني قرأت له بعض مقالاته الاقتصادية أوائل السبعينات من القرن العشرين. من المرجح اننا تعارفنا آنئذ في إطار لجان دأب على تشكيلها الاتحاد العام لنقابات العمال لمعالجة مشاكل في طليعتها هجرة اليد العاملة. إلا أن صداقتي معه انعقدت بعد انتقالي إلى رئاسة مجلس الوزراء عام 1989 بناء على طلب قدمته إلى رئيس الجمهورية سائلاً إياه تغيير مكان عملي، بعد فشلي سنوات في لقائه. استقر رأيي أنه لايصح أن استمر مديراً لمكتب الرئيس للدراسات السياسية والعامة دون أن اتمكن من عرض أفكاري عليه مباشرة ومناقشتها معه.

كان الجو مريحاً في مجلس الوزراء حيث سعدت بصحبة كثيرين من أصدقاء قدامى وجدد. ضمن ذلك الجو توطدت صلاتي بالدكتور داود حيدو. لم أتبين من خلال توطد الصلات وطنيته وعلمه ودأبه وحسب، فقد كانت تلك الصفات مقترنة باسمه، منذ أطل على الحياة العامة. إلا أن التجاور في مكان العمل أضاف إلى صفاته اطمئنان النفس وعفة اليد. هو مطمئن إلى قدرته على القيام بمهمته الدقيقة، وهو يعمل في مجال النفط، تلك الطاقة المطوقة بالأسرار. ما ان يتسرب سر مع قطرة نفط حتى تنفلت من أطواقها الأسرار. إلا أن عفة يده لم تترك فسحة همس لهامس، بل لعلّ عفة يده كمنت وراء قول نسب إلى مسؤول كبير، بل إلى المسؤول الكبير، مؤداه أن ثقته كاملة بالشيوعيين في إدارة المرافق الاقتصادية.

سعدت وزوجتي ذات صيف بالدكتور داود حيدو وزوجته الأستاذة لويزا عيسى يطلان علينا بزيارة مفاجئة إلى المنزل في صافيتا. علمت إذ ذاك أنه صهر المنطقة. زوجته من مشتى الحلو، تلك البلدة الجميلة ذات التاريخ الفكري والسياسي الباذخ.
شيوعي من أقصى الشمال الشرقي اتحد في فكره ومشاعره مع شيوعية تجاور جبل السيدة وشاطئ طرطوس. يا لقوة الداس كابيتال وروعته!
ذات يوم أتانا حديث الناس بأن مكتب تسويق النفط متسلح بالتقنية الجديدة، بالفاكس. سألني متصل من خارج سورية عن رقم الفاكس لدي. أجبته: ليس لدي فاكس. كان الدكتور داود في هذه الأثناء يزورني في مكتبي. سمع اجابتي. بادر فأعطاني رقم الفاكس في مكتبه، فأصبح قيماً على جانب من اهتماماتي.
أعود أحياناً إلى فاكسات قديمة فأجد عليها إحالات الي بتوقيع رئيس مكتب تسويق النفط. في الكتابة شيء من الخلود، ومن الجميل ان اصدقاء الدكتور داود وعائلته اختاروا أن يعتنوا بتراثه الفكري وبتراثهم معه، وكان لي في المولد نصيب.
قبل أشهر من انتقاله إلى رحمة الله ضمتنا أمسية في منزل صديق مشترك. كان كما عهدته على مدى سنوات طويلة، واثقاً بنفسه، يمارس الحوار الذكي والانتقاد الهادىء الشجاع، يشيع في محيطه جواً من الاطمئنان والمحبة الدافئة. إلا أنني لاحظت وهناً أخذ يغزو جسده. لم أرافقه في أيامه الأخيرة إلا أنني واثق من أن الوهن لم يصل إلى داخله، وأن اطمئنان النفس كان سمة لحظات الانتقال. وكل نفس ذائقة الموت، وليكن ذكره مؤبداً!
 

الأحد، 9 ديسمبر 2012

البطريرك هزيم في ملمحين



فادحة خسارة سوريا والمسيحية والعرب والمسلمين والانسانية بغياب غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم، المتألق دائما بالحق. الا ان مواقفه وكلماته تبقى ذخرا يضيء الطريقمهما تعمقت العثرات.

 ورغم انني لم اكن وثيق الصلة اليومية به، الا انني، في بعض اوقات مفصلية، كنت اتشارك مع غبطته في أهم ما يشغله.

واذ نقف اليوم في حضرته وهو في حضرة الله، فمن واجبي رسم ملمحين له يعود اولهما الى اربعة عقود، بينما لم تمض على ثانيهما الا اقل من اربعة اعوام.

جمعتني في لقائي الاول به قضية فلسطين. كان ذلك يوم الاثنين 8/ 9/ 1972.

رجل دين مشرقي يرأس اجتماعا في قاعة كبرى بجامعة بريطانية. يدير الحوار باقتدار وفصاحة ومحبة. الاجتماع حصيلة جهد مجموعة كانت نشطة في دعم قضية فلسطين اسمها: "رابطة المسيحيين من اجل فلسطين". الشخص الاول فيها فرنسي مقاوم للنازية هو الاسقف جورج مونتارون. نجومها المتألقة في بلادنا العربية امراء الكنائس العربية و المشرقية. مناصروها علمانيون (اي من غير لابسي الثوب) من مختلف الديانات والقارات. قبل ايام من الاجتماع كانت حادثة ميونيخ.
لم اكن اعرف اسم رئيس الجلسة. همس الجالس بجانبي، السيد دنيس هيلي، وزير الدفاع البريطاني الاسبق: "علي مغادرة الجلسة الآن. اودعك وصية. قل لرجل الدين المترئس انه بأسلوبه البرلماني في ادارة الجلسة يتفوق على ابرع برلمانيي مجلس العموم البريطانيين". انتهت الجلسة. شققت طريقي الى المطران هزيم، مطران اللاذقية، والناس محيطة به. نقلت اليه كلام هيلي. سألته: "من اين انت يا سيادة المطران؟". اجابني بالعربية: "من محردي (بالياء لا بالهاء)". اجبته ضاحكا فاضحكته ومن معه: "سيدنا. بالانكليزية لهجتك اوكسفوردية. وبالعربية هي اكثر ضيعجية من لهجتي".

كان، رحمه الله، يسر حين استعيد قصة ذلك اللقاء
. متمسكا بتراثه الريفي كان، ومحلقا في آفاق الثقافة العالمية في آن. قلت: جمعتني به قضية فلسطين. ولم تغادره. جمعته بكل السوريين والعرب والمسلمين والانسانية. تألق في مؤتمر قمة الطائف الاسلامي (1982)، يناجي القدس من على مقربة من مكة. أليس هو بطريرك العرب؟ بل الخامس في سلسلة بطاركة  اعتبر فيلسوف القومية العربية، ساطع الحصري، انتخاب اولهم لسدة بطريركية انطاكية للروم الارثوذكس، اول تبلور فعلي للقومية العربية؟

ملمح ثان من صاحب الغبطة لا يفارقني من اوائل عام 2009 رغم انه لم يكن غائبا عني وعن عارفي غبطته قبل ذلك التاريخ.

في 2/ 7/ 1979 كان انتخابه بطريركا. خطر في بال بعض الاصدقاء ان تكون ثمة وقفة مع الذكرى الثلاثين لتسنمه السدة. وقع علي ان افاتحه بالأمر. على مدى ساعة في لقاء ثنائي حاولت اقناعه بألا يعلن معارضته الفكرة. لم افلح. كان رفضه حازما في ان يكون له تكريم. في ان يكون ثمة احتفال بالذكرى الثلاثين. وكانت مشيئته.

فادحة الخسارة بغياب غبطة البطريرك. غادرنا الى الاخدار السماوية. اما نحن فننتصر على الغياب حين نردد: "فليكن ذكره مؤبدا من الآن والى دهر الداهرين".

جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2012

الاثنين، 22 أكتوبر 2012

كلمة الدكتور جورج جبور في افتتاح ندوة يوم الأمم المتحدة: 22/10/2012



دخل ميثاق الأمم المتحدة حيز النفاذ في 24/10/1945، وأصبح ذلك التاريخ يوماً للأمم المتحدة يحتفل به العالم كل عام.

ندوتنا تعقد في 22/10/2012 لكي نعطي وقفة العيد الكبير، عيد الأضحى، حقها. هي المرة الأولى منذ سنوات عديدة التي يتزامن فيها موسمان: موسم يوم الأمم المتحدة وموسم عيد الأضحى المبارك.

قبل /23/ عاماً كان لأول أيام الأضحى أثره في مسيرة الأمم المتحدة. كيف؟ هذا ما ستعالجه النقطة الأولى.

أما النقطة الثانية فتعود بنا إلى عام 1945، إلى يوم صادق فيه مجلس النواب السوري على ميثاق الأمم المتحدة.

وتعود بنا النقطة الثالثة إلى عام 1922. صيف ذلك العام، قبل /90/ سنة بالضبط، أصدرت عصبة الأمم صك انتداب المملكة المتحدة على فلسطين. تلك نقطة ما تزال تؤلمنا، ولاسيما أننا نقترب بعد أيام من ذكرى وعد بلفور الذي صدر قبل /95/ عاماً.

إذن أتحدث هذا المساء عن أعوام ثلاثة في تاريخ الأمم المتحدة هي بترتيب رجعي: 1989 و 1945 و 1922.

النقطة الأولى: 1989:
بفضل وسائل الإعلام والثقافة السورية، بفضل اتحاد الكتاب العرب وجريدة تشرين وفصلية نهج الإسلام، انتشرت عالمياً عام 1990 فكرة فاجأتُ بها السيد مايور، مدير عام اليونسكو آنذاك، لدى لقائي به في مكتبه يوم 13/7/1989 وكان أول أيام عيد الأضحى. عَرَّفتُ المسؤول الأول عن الثقافة في العالم بأهمية اليوم الديني الأول لثاني أكبر ديانة في العالم. كانت استجابته ممتازة. ثم عبر سلسلة نشاطات وتفاعلات أخذت الأمم المتحدة تعطل كل مكاتبها في العالم في أول يومي عيدي الفطر والأضحى، بناء على طلب مصر. لماذا لم تأخذ سورية الرسمية زمام المبادرة إلى تبني مبادرة انطلقت علانية في دمشق؟ ذلك سؤال يستحق الإجابة.
حفاوة الأمم المتحدة في عيدي الإسلام خطوة كبرى في تاريخ المنظمة الدولية تماثل خطوة كبرى سابقة انتجتها حرب تشرين، ألا وهي الاعتراف بالعربية لغة رسمية، بل لغة أولى ووحيدة أضيفت إلى لغات الأمم المتحدة الخمس التي استقر عليها الميثاق عام 1945. إلا أن ما جرى في البيت الزجاجي في نيو يورك يستحق أن يُتابَع في المنظمات المختصة ضمن عائلة الأمم المتحدة. أولى تلك المنظمات أهمية هي اليونسكو. أسأل وزارة التربية السورية أن تطالب اليونسكو باتخاذ قرار بالتعطيل في عيدي الفطر والأضحى.

 النقطة الثانية 1945:
في الميثاق المادة /78/ التي عرفت ذات يوم في أروقة المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة باسم مادة سورية. أرادت سورية من المادة صيانة لاستقلالها الكامل يوم كانت ماتزال تعسكر في أرضها قوات أجنبية تطالبها بالجلاء. دَرَستُ المنظمات الدولية على يد أستاذ جليل في جامعة دمشق فلم يكن في كتابه ذكر خاص لتلك المادة. بل لم أعرف أهمية تلك المادة لسورية إلا من خلال أستاذ أمريكي عام 1964 حين كنت أتابع الدراسة هناك. ثم بعد سنوات خطر لي أن أعود إلى محاضر جلسات مجلس النواب. وجدت نص مذكرة من رئاسة الوزارة إلى رئاسة مجلس النواب تنص بالحرف على أن هذه المادة وُضِعَت خصيصاً لسورية ولبنان. أطالب منذ السبعينات بأن يُعَرِّفَ كتابنا عن الأمم المتحدة قُرّاءَهم بأهمية تلك المادة بالنسبة لنا.

لا أظن أن في أي مُؤَلَّفٍ سوريٍ عن الأمم المتحدة إشارة إلى هذا الأمر، ما عدا كتابي الأمم المتحدَةَ والسياسة الدولية وما يخصُّ العرب. أصدرت الموسوعة العربية المرتبطة برئاسة الجمهورية ، أصدرت منذ سنوات، مَشكورةً، كتاباً ضخماً قيماً عن الأمم المتحدة. لم تذكر به دور سورية في وضع هذه المادة في الميثاق. أسألها من هذا المنبر وبهذه المناسبة أن تنشر في كتاب خاص المحاضر الرسمية لتلك الجلسة التي صادق فيها مجلس النواب على الميثاق. ذلك عمل مفيد لنا، لسوريتنا، يُظهِر عراقةً وبراعةً في نشاطنا الدبلوماسي الدولي، يزيد من احترام العالم لدولتنا السورية. في 15/9/2012 التقيت بالأستاذ الأخضر الإبراهيمي. ما أن ذكرت له هذا الأمر حتى أبدى اهتماماً بالغاً بهذه الجزئية من تاريخ الميثاق. في جلسة في رحاب جامعة دمشق يوم 5/4/2012، ضَمَّتني وعميد كلية الحقوق، سلمته رسالةً بهذا الشأن، ومعها نشرة تعريفية برابطتنا تبرز المادة /78/. لا أدري ما فعل بها. أسأل الصديق العميد عما فعل، ملتمساً له العذر، إن غَفل. على كتفيه أعباء آلاف الطلبة بل ربما عشرات آلاف الطلبة الذين تزدحم بهم كلية الحقوق. إلا أننا في الشهر القادم نبتدئ العام المائة لتأسيس معهد الحقوق العربي. أرجو أن يكون للمادة /78/ مكانها في برنامج احتفالات تضعه الكلية، ولاسيما أن المُنافح الأول عن هذه المادة في مؤتمر سان فرنسيسكو كان أستاذاً في معهد الحقوق.

النقطة الثالثة: 1922:
من وعد بلفور إلى صك الانتداب الذي يضمن وعد بلفور إلى معركة فلسطين الكبرى في أروقة الأمم المتحدة هذه الأيام إذ تحاول حكومة فلسطين الحصول على اعتراف بفلسطين كدولة ، تلك هي النقطة الثالثة. هي نقطة مشاع يتشارك في واجب الاهتمام بها العرب والمسلمون وكل أنصار بناء عالم من السلم العادل. يتصاعد في السياسة الدولية دور الاعتذار كوسيلة من وسائل التعامل مع قضايا إنسانية ذات جانب تاريخي مستمرٍ أثره. لن أطيل في حديث التاريخ. يكفيني ما جرى قبل خمسة أيام. في 17/10/2012 صدر عن الرئاسة الفرنسية بيان يَقِفُ عند مجزرة وحشية ارتكبتها فرنسا ضد الجزائر في وسط باريس، قبل أكثر من /50/ عاماً. وقفة جيدة، وإن لم تكن كافية. أضع على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الحالية، مقترح أن تعتذر الأمم المتحدة عما ارتكبته سابقتها عصبة الأمم قبل /90/ عاماً، حين وافقت على حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه السياسية. أسأل وزارة الخارجية أن تبدأ نشر فكرة هذا المقترح الذي هو على جدول أعمال العالم لدى أصحاب الضمائر الحية. لن ينجح المقترح في دورة الجمعية العامة هذا العام. لكنه حتماً سينجح في أعوام تالية. أذكر الجميع بأن رسالة وجهها عدد من المثقفين العرب اجتمعوا في دمشق يوم 2/11/2002 كان لها أثر إقناع السيد جاك سترو وزير خارجية المملكة المتحدة آنذاك، بإطلاق تصريح ينال به من وعد بلفور، لأول مرة في التاريخ البريطاني.

أيها الحفل الكريم:
لسنا ضعفاء إلا بمقدار ما نُضعف أنفسنا. ليس صاحب الحق ضعيفاً إلا بمقدار ما يضعف نفسه.

" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون". "وما ظلمناهم لكن أنفسَهم كانوا يظلمون".

           22/10/2012                                                            جورج جبور      

السبت، 20 أكتوبر 2012

حسني الزعيم ومازن صباغ وتوثيق تاريخ الدولة السورية

(1)

أبدأ بخلاصة ما سأقوله مفصلاً في هذا المقال:

أوجه للصديق الأستاذ مازن صباغ الشكر والتهنئة على ما يقوم به من جهد في توثيق تاريخ الدولة السورية، وأرجو منه أن يحرص على مزيد من الدقة في عمله الدؤوب الذي أراه مفيداً لكل السوريين في نشر ثقافة المواطنية السورية عن طريق التعريف بتاريخ الدولة السورية.

(2)

قرأت في إحدى الصحف خبر إصدار الأستاذ مازن كتاباً عن الانقلاب العسكري الأول في سورية. سألت عنه في بعض المكتبات فما وجدته. قمت بخطوة قد لا يحبها كل المؤلفين. اتصلت بالصديق المُعدّ. وبأريحيته المعهودة وصلني الكتاب. أقبلت عليه بلهفة. حين وقع انقلاب الزعيم كنت في عامي الحادي عشر. صورة حسني الزعيم ببزة المارشالية وعصاتها وبالمونوكل (نظارة بعين واحدة) تركت أثرها في نفسي وأنا في ذلك العمر الغض. ربما أنني أخذت منذ ذلك الوقت أتابع الصحف والإذاعة. وصلني الكتاب، فلم يكن من السهل مقاومة سحر العودة إلى تلك الأيام. أقبلت عليه. إلا أن إقبالي توقف عند السطر السابع من الصفحة الثامنة. صدمني خطأ فانقطعت قابلية القراءة. ورد في ذلك السطر المشؤوم ما يلي: ”وفي 29/3/1949 جرت انتخابات نيابية...” كلا! لم تجر انتخابات نيابية في ذلك التاريخ. مضت أيام من الحيرة الصامتة، ثم غلبني الشوق إلى الكتاب رغم الصدمة الأولى. عاودت القراءة بحذر. أمضيت مع الكتاب ساعات كانت حصيلتها فائدةً شعرتُ بها وملاحظاتٍ وقفت عندها. أحببت أن أهمس بها إلى الصديق مازن. لكنني فضلت أن أتشارك فيها مع القارئ الكريم.


(3)

الكتاب قيم. في نحو مائتي صفحة (7 – 200) ثمة أهم الوثائق الخاصة بحكم انقلابي دام /137/ يوماً من 30/3/1949 حتى 14/8/1949. أثبت كلمات مازن صباغ عن هذه الصفحات كما وردت في ص /9/:

”توخينا في كتابنا ومن خلال /105/ فقرات الحديث عن أغلب تفاصيل الانقلاب والفترات الخطيرة فيه، ولاسيما الأعمال والبلاغات العسكرية والبيانات السياسية والقرارات الإدارية وبعض التأييدات الشعبية ومن مختلف المحافظات والفئات والجهات السورية. كما تم الحديث عن العلاقات السورية العربية بعد الانقلاب مثل العلاقة مع الجمهورية اللبنانية والمملكة العراقية والمملكة العربية السعودية والمملكة المصرية. كما رصدنا علاقات قيادة وزعيم الانقلاب مع الدول الغربية والاعترافات من قبل الدول الأوربية بشرعية الانقلاب”

إلا أن معظم الصفحات الباقية من الكتاب كانت الأكثر حظوة عندي. كيف يصف المعد الصفحات من 203 إلى 293؟ فلنقرأ من ص /203/ العنوان المطول لها:

”آراء ومواقف وملاحظات في الانقلاب العسكري الأول بقيادة الزعيم حسني الزعيم... وهي وجهات نظر أصحابها وكتابها وتعبر عن آرائهم بشكل دقيق وصريح. ملاحظة: وتوخياً للوصول إلى الموثوقية والحقيقة فقد اعتمدنا أخذ عدة توجهات ومن جهات مختلفة الانتماء والمشارب كي نستطيع إيفاء موضوع الكتاب حقه”.

ثم تتوالى شهادات بأقلام كلٍ من (مع حفظ الألقاب) خالد العظم، وأكرم الحوراني، وأحمد عبد الكريم، وأسعد الكوراني، ومحمد سهيل العشي، ومعروف الدواليبي، وباتريك سيل، ونصوح بابيل، ومصطفى رام حمداني.


(4)

أعود إلى الجزء الأول من الكتاب، الخاص بالفقرات الـ /105/

في الفقرة /53/ (ص113) نقرأ المرسوم رقم /8/ في 3/4/1949 وبموجبه شكل قائد الانقلاب لجنة تحقيق بمساوئ العهد الماضي. نص المرسوم على تشكيل لجنة من خمسة أعضاء منهم قاضٍ وضابط في الجيش. من هم الخمسة؟ القاضي خليل رفعت والمقدم عزيز عبد الكريم. الثلاثة الآخرون هم عبد الواب الطيب والمحامي أكرم الحوراني (الذي اعترض – كما في الكتاب) و د. رزق الله أنطاكي.

أقرأ في تشرين أول 2012. أتساءل: ماذا فعلت اللجنة؟ لا أدري، أتساءل: هل بالإمكان متابعة ما فعلته عن طريق أوراق محفوظة أو عن طريق الصحف؟ لا أدري.

في الفقرة /56/ (ص119) نقرأ عن مرسوم تشكيل لجنة لوضع مشروع دستور جديد وقانون جديد للانتخابات من السادة: أسعد الكوراني (رئيساً) و د. عبد الوهاب حومد، وحسن الزين (حسن لا حسني كما ورد في الكتاب خطأ) وجورج جبارة.

أقرأ فأتذكر أنني قرأت ذات يوم ما أحسب أنه كان مشروع دستور الزعيم. احسب انه وصلني من الاستاذ جبارة وأنني علقت عليه في مكان ما من كتاباتي عن التاريخ الدستوري السوري. في الذاكرة أنني أشرت إلى أنه لا يتحدث عن دين لرئيس الجمهورية.

في الفقرة /60/ ص /133/ نقرأ نص مذكرة حزب البعث العربي إلى زعيم الانقلاب في 5/4/1949 بتوقيع ميشيل عفلق، عميد الحزب. وبالمناسبة وبسرعة. هل يستطيع كتاب عن حسني الزعيم أن يهمل رسالة عفلق إلى حسني الزعيم وبها يعهد اليه -الى الزعيم- بحزب البعث؟ استطاع الكتاب ذلك. لماذا؟ لا أدري. هل هو التعتيم على اسم عفلق وهو تعتيم ينقشع؟ ربما. اطلب من المعد ان يشرح.

بعدها مباشرة، في الفقرة /61/ ص /137/ نقرأ مذكرة جماعة الإخوان المسلمين في 7/4/1949 إلى زعيم الانقلاب، هي بتوقيع عمر بهاء الأميري. الأمين العام للجماعة.

مَنْ يا ترى من القراء الكرام من منهم سيقوم بمهمة المقارنة بين المذكرتين؟ قمت بمقارنة سريعة فوجدتها مفيدة الى حد لا بأس به في فهم ما نحن فيه الآن من أحداث.

أعود إلى الفقرات التي تتسلسل بإتقان. في الفقرة /86/ ص /177/ نص ما ذكره نذير فنصة، عديل الزعيم، عن مؤامرة تسليم الزعيم أنطون سعادة إلى السلطات اللبنانية، من ثم إعدامه. النص مأخوذ من كتاب فنصة: أيام حسني الزعيم: /137/ يوماً هزت سوريا (بيروت، 1982).

ذلك أمر باقٍ معنا. في8/7/1949 أعدمت السلطات اللبنانية الزعيم سعادة وتبقى ذكراه حية في ضمائر الكثيرين منا. تشهد بلاد الشام احتفالات استعادية بالذكرى. بل ذات يوم سألني الدكتور سمير حجار، منفذ عام دمشق في الحزب السوري القومي الاجتماعي آنذاك أن ألقي محاضرة بالمناسبة. فعلت، كان ذلك عام /2008/ في المركز الثقافي بالمزة. الجمع حاشد ولمحت دموعاً تكفكف وأنا أتحدث.

في الفقرة /91/ ص /197/ نقرأ عن مرسوم بتعيين لجنة مكلفة بوضع مشروع الدستور مؤلفة من /8/ شخصيات. لا أدري ماذا فعلت وسأكون سعيداً إذا تابع أحد الباحثين أعمالها من خلال الصحف ولاسيما أنها استقدمت من مصر الفقيه الدكتور عبد الرزاق السنهوري، القانوني الشهير وصاحب القانون المدني في نصيه السوري والمصري.

وحديث القانون المدني وكيفية إصداره حديث يطول، طالما استمعنا إليه في كلية الحقوق في النصف الثاني من الخمسينات.  المحدث العلامة الأستاذ الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء. لاذع في نيله من ”طبخة” أنضجها على عجل  الوزير القاضي المحامي  الأستاذ أسعد الكوراني.  أنهت الطبخة العمل بمجلة الأحكام العدلية -وزينتها قواعدها الـ /99/- . ولي عودة قريبة إلى هذا الأمر.

(5)

لعلي قدمت للقارئ مختصرا مفيداً عما ورد في الجزء الأول من الكتاب. آتي إلى الجزء الأكثر إغراء وهو شهادات معاصري الزعيم والمشتغلين بالتاريخ السياسي للدولة السورية.

في مذكرات خالد العظم وصف دقيق للعلاقة المتوترة بينه وبين حسني الزعيم قائد الجيش آنذاك. كان العظم رئيساً لمجلس الوزراء حين وقع الانقلاب. يورد العظم نص مذكرة الجيش المرفوعة إلى رئيس الجمهورية بشأن بعض المطالب وأهمها أن نواباً تهجموا على الجيش في مجلس النواب فلم تقم الحكومة بالتصدي للتهجم. مذكرات العظم وثيقة هامة جداً في التاريخ لجذور الانقلاب.

أما أكرم الحوراني فيصف انقلاب الزعيم بأنه أمريكي (ص /220/). كذلك يورد نص قسم فرضه الزعيم على الموظفين يؤكدون به أنهم لا ينتمون إلى أي حزب سياسي (ص /222/)، في الخلاصة التي استهللت بها هذا المقال أشرت إلى ضرورة تحري الدقة ومزيدٍ منها. نص قسم الموظفين لم تذكره فقرات الكتاب المتسلسلة. ثم أن الحوراني يجعل مذكرة حزب البعث مؤرخة في حزيران (ص/224/) لا في نيسان كما في الفقرة /60/.  من الواقع في الخطأ؟ الحوراني ام المعد ام المنضد؟.

واستهواني في شهادة أحمد عبد الكريم شرحه لأسباب اتجاهه نحو العناية بقضية فلسطين (ص /228/) وهي قضية بقيت معه حتى الآن. تألقت به وتألق بها. أمد الله في عمره.

أما المختارات من مذكرات أسعد الكوراني فقد جاءت خالية من تفاصيل ”طبخة” القانون المدني. لم أطلع على مذكرات الكوراني إلا أنني أحتفظ بما ذكره مفصلاً عن الموضوع المحامي فتح الله الصقال، وكان على الكتاب أن يورد تلك الشهادة. الكوراني اللاذع واللماح – وقد شاء لي حسن حظي لدى عملي معاوناً للنيابة العامة في اللاذقية عام 1960 فرصة تبادل الحديث معه – كان يفتخر دائماً بما أنجز، أي بالقانون المدني. لذلك أستغرب أنه لم يشرح الأمر في مذكراته. فإن فعل، والمذكرات ليست لديّ، فإنني أستغرب ألا يأخذ معد الكتاب منها ما يختص بالقانون المدني[i] .إلا أن المخيف في شهادة الكوراني كلامه عن أن موفداً للزعيم إلى مصر طالب مضيفيه بأن يقدموا له ”مصاري” مبدياً عدم اكتراثه بالوسام الذي منحه! (ص /243/).

أهم كتاب تحدث عن أسرار الزعيم –في نظري- هو كتاب مايلز كويلاند: لعبة  الأمم المترجم إلى العربية.  لديّ نسخة منه ولكني لم أبذل الجهد، لدى الكتابة، للعثور عليها. إلا أنني سررت لأن هذا الكتاب الذي كان ينبغي أن يحضر بكامل ما قاله عن الزعيم في كتاب صديقنا مازن، لم يغب كلية. إنه يرد في مذكرات معروف الدواليبي (ص /254/).  لماذا غاب كتاب كويلاند عن كتابك يا استاذ مازن؟ لا أدري. ثم إن الدواليبي يحدثنا عن اتفاقية النقد مع فرنسا وهي أمر هام في تاريخ الانقلاب.

أما المخضرم في الكتابة عن سورية، وأقصد به باتريك سيل، فقد حدثنا عن الزعيم حديثاً مفصلاً في كتابه: الصراع على سورية وهو كتاب مترجم في سورية وواسع الانتشار فيها رغم أن تداوله ممنوع بقرارات رسمية. يركز سيل على شخصية الزعيم المضطربة مستشهداً بما وصل إليه من خلال وسائله المتعددة في التقصي.

وتأتي شهادة نصوح بابل بأسلوبها السلس لتروي حكايات تحلو قراءتها.

ويعود بنا موفق رام حمداني إلى الأثر الخارجي على حسني الزعيم فيقول بوضوح أن الزعيم ورئيس وزرائه ”ذهبا ضحية الصراع على مناطق النفوذ بين الامبريالية الأمريكية والسياسة البريطانية (ص /290/). قوله هذا يعتمد، لا ريب وبحسب ما أرى. على كويلاند، والله أعلم.

وتبقى ملاحظة خطيرة أقنعتني بالبوح بها صفحات الكتاب الأخيرة التي تورد نص اتفاقية الهدنة بين سورية وإسرائيل في 20/7/1949.مباشرة بعد حرب تشرين التحريرية عام 1973، وكنت مديراً للدراسات في القصر الجمهوري، تعبت والعاملون معي في المكتب ونحن نبحث عن نص اتفاقية الهدنة. سألت وزارة الخارجية موافاة القصر بصورة عنها. لم توجد. اعتمدت في دراسة القرار /338/ ثم في دراسة مشروع اتفاقية فصل القوات، على النص كما ورد في كتاب للمؤرخ الفلسطيني الكبير الأستاذ محمد عزة دروزة.

(6)

يأتي بنا حديث الهدنة إلى آلام الوثائق السورية. ندب الأستاذ مازن نفسه للقيام بعمل بالغ الأهمية هو تأريخ الدولة السورية عن طريق الوثائق. تعب وأجاد ولم يبلغ الكمال الذي هو لله وحده. كيف يمكن له أن يحسّن من الصناعة التي ارتضاها لنفسه؟ الجواب ملكه. لكنني أهمس في أذنه بأمرين. الأول: ما زالت في جعبتي مآخذ على الكتاب غير التي المعت إليها. أطلعه عليها إن شاء لصالح طبعة ثانية. الثاني: تابع يا رعاك الله. فما لا يدرك كله لا يترك جله أو بعض جله. أشكرك وأهنئك. أعادني كتابك إلى أيام الصبا وفتح دفتر ذكريات مخبأة. ورحم الله من توالوا على حكمنا. نواياهم طيبة والحصاد كما نعلم.



[i] - أتى المحامي أسعد الكوراني إلى اللاذقية في أحد أيام عملي معاوناً للنيابة العامة في تلك المدينة بين تشرين أول 1960 وتموز 1961، شغل الجسد القضائي آنذاك بدعوى أحد طرفيها العلامة الأستاذ جبرائيل سعادة، عاشق أوغاريت وخادمها، وقد اختار الكوراني وكيلاً عنه. كان من عادة القضاة تناول طعام الغداء في مطعم اسمه: نادي مارين يديره شقيقان يحسنان صناعة إرضاء أصحاب المذاقات. كنت وحيداً على طاولة أتناول طعامي وعلى طاولة مجاورة الأستاذ الكوراني يتناول طعامه. اقترب أحد حاجبي المطعم من الكوراني ثم أتى إليّ. قال: يود الأستاذ أن يجلس معك على طاولتك هل لديك مانع؟ رحبت. جدية المحامي اللامع اللماح وجبه شهية لا يشبع منها. سألته أن يحدثني عن كيفية صدور القانون المدني. استفاض. ذكرت له ما يعرفه: في كتاب مقرر دَرَسنا أن مجلة الأحكام العدلية دفنها بعض الكفار. أضاءت وجهه ابتسامة كبرى وأعلمني دون أن أسأله أنه مسلم سني! وللعلم فإنني أضع أمامي في مكان بارز صفحتين تتضمنان القواعد الفقهية الـ /99/ التي تبتدئ بها مجلة الأحكام العدلية. ويبقى القانون المدني معلماً من معالم تطور قانوني لابد منه.