الاثنين، 9 يوليو 2012

نداء إلى حاملي السلاح - تحاوروا

أكتب بعد ظهر يوم الجمعة في 3/ 6/ 2011. قبل قليل سمعت عبر فضائيات غير سورية، موصوفةٍ بأنها متحاملة على الحكومة السورية، تصريحات لمتظاهرين ومعارضين تقول: ”لا حوار مع القتلة”. أتت هذه التصريحات في معرض تعليق بعض المتظاهرين والمعارضين على تشكيل رئيس الجمهورية العربية السورية هيئة الحوار الوطني.
وكنت قبل ذلك قد سمعت من بعض أركان الحزب والحكومة – وليس من أي من أعضاء هيئة الحوار – أنْ لا حوار مع عصابات التخريب المسلحة.
يرفض حاملو السلاح من الطرفين – ولا أساوي بينهما – الحوار الذي هو تبادل آراء بالكلمات. يفضلون تبادل الآراء بالرصاص.
إذاً، يبقى العنف سيد الموقف. يُلقي كل طرف عبء العنف – بل جريمة العنف – على الطرف الآخر. والنتيجة المحتمة: يَقتلُ السوريون السوريين وتنزف سورية دماً وكرامة واقتصاداً.
كيف يستطيع الحوار أن يقود إلى وقف العنف إذا كان بعض الطرف الأول لا يتحاور مع بعض الطرف الآخر، وبعض الطرف الآخر لا يتحاور مع بعض الطرف الأول، وكان هذان البعضان من حاملي السلاح؟
لا بد من إقالة السلاح كي يتم الحوار. ولا بد لكل طرف أن يقبل الحوار مع ذلك البعض من الطرف الآخر المتهم بأنه قاتل أو مخرب.
الشهادة بحسن نية حامل السلاح قبوله بأن يكون الطرف المعتدى عليه، الذي يعلّم خصمه التوقف عن العنف بعدم الإجابة عن عنفه.
الصمت على عنفٍ مُوقعٍ بي ارتقاء بمواطنيتي إلى مستوى المسؤولية عن بناء المستقبل.
لدينا هيئة حوار تضم عديداً ممن نحترم. فلتعلن، قبل كل شيء، أنها ستحاور المعارضة الوالغة في العنف. أليس من الواضح أن حوار الهيئة المسالمة مع المعارضة المسالمة لن يوقف العنف؟
هذا نداء إلى حاملي السلاح قبل أي أحد: توقفوا عن استعمال السلاح، وحاوروا !
وهو أيضاً نداء إلى هيئة الحوار. قلتم أنكم سوف تتوجهون بالحوار إلى كل سوري. توجهوا به أولاً إلى من تدعوهم الحكومة بالعصابات التخريبية المسلحة. لا تُقصوهم. لولاهم لما كانت ثمة حاجة لولادة هيئتكم. في حُمَّى العنف ولدت الحاجة الى الحوار.
يوشك أن ينقضي يوم الجمعة. إذا استقرت إحصاءات أعداد الضحايا مع بزوغ فجر يوم السبت، فاذهبوا إلى المكان الذي وقع فيه العدد الأكبر من الضحايا، وابدؤوا حواركم من هناك.
قد يرى البعض في ما قلت مكافأة لحاملي السلاح وإجازةً للعنف. ما هكذا نويت. وإنما الأعمال بالنيات. ما نويته، بل ما أوضحته، هو التالي: وَقفُ سفك الدم السوري أول جدول الأعمال.

الأحد، 1 يوليو 2012

هل صدر في سورية كتاب عن الأحداث السورية؟

للسؤال الذي هو عنوان هذا المقال وجهان. وجه بريء ووجه تحريضي

الوجه الأول البريء هو سؤال المستفهم الجاهل. لا أعرف إنْ كان قد صدر في سورية كتاب عن الأحداث السورية التي ابتدأت في منتصف آذار 2011. لم أقرأ، في ما قرأت من صحفنا على امتداد عام وبضعة أشهر، أي خبر عن صدور مثل هذا الكتاب. أرجو أن أكون مخطئاً، وأن يصحح لي من يستطيع التصحيح. أما سبب السؤال فواضح. أخذت تتكاثر الكتب عن الأحداث السورية بأقلام غير السوريين. أو بأقلام سوريين مقيمين خارج سورية، يطبعون كتبهم هناك. ليست لديَّ قائمة بكل ما صدر عن الأحداث السورية. لديّ قائمة ببعضها. وقد استفزني لكتابة هذا المقال مراجعة قرأتها في الانترناشينال هيرالد تربيون الأمريكية – الفرنسية (19/6/20012) لكتاب لا أتوقع من مؤلفه أن يكون متعاطفاً مع سورية، سلطة ومعارضة. إنه كتاب الدكتور فؤاد عجمي، الأمريكي من أصل لبناني الذي يمارس التدريس في إحدى أهم الجامعات الأمريكية، ويتمتع بنفوذ واسع في الأوساط الأكاديمية والفكرية الغربية. ساهَمتُ في واشنطن، خريف عام 1978، في جلسة مناقشة مفتوحة مع الدكتور عجمي، حين كانت جامعة جونز هوبكنز تناقش مدى صلاحيته ليصبح عضو هيئة تدريسية فيها. عَرَفتُ فيه قبل جلسة المناقشة ثم من خلالها خصماً شرساً لمفهوم العروبة ولمفهوم المقاومة. وللعلم: تُقْدِمُ بعض الجامعات الغربية، ومنذ مدة، على عقد جلسة مناقشة علمية شبه علنية لمن يتقدم طالباً شغل منصب أكاديمي فيها. يُدعى إلى الجلسة بعض من أعضاء هيئة التدريس في تلك الجامعة وغيرها وعدد من الطلبة، وبعض من ذوي الاختصاص. ويتم من خلال الجلسة تقييم المرشح. كنت في واشنطن العاصمة لدى جلسة عجمي، ودعاني إلى المشاركة في النقاش الدكتور مجيد خَدّوري والدكتور ادمون غريب وكانا آنذاك أستاذين في جامعة جونز هوبكنز. كانت جلسة عاصفة يُخالف كل ما قاله عجمي فيها ما نَشَأتُ عليه من تمسك بضرورة العمل العربي من أجل الإنماء العربي سواء على صعيد الأفراد أو على صعيد الدول.

الوجه الثاني التحريضي للسؤال نقلني إلى لويس شيخو وأمين الريحاني وجبرائيل سعادة. هؤلاء من أبناء أرضنا العربية المحبّين لها. تنبهوا، كما تَنَبَّهَ غيرهم الكثير، إلى ضرورة أن نُعَرِّفَ أنفسنا بأحوالنا بعيداً عن تعريف الآخرين لنا بها. أسس شيخو مجلة المشرق اليسوعية لكي ينتقد المستشرقين في مقاربتهم لشرقنا. أما أمين الريحاني فقد كتب عن ملوك العرب ليُعَرِّفَ الواحد منهم بالآخر فيسهل التعارف فيما بينهم. انتقد حالة العلم بالعرب مُصَرِّحاً بأن الخارجية البريطانية تعرف عن أحوال العرب، ملوكاً وشعوباً ودولاً، ما لا يعرفه العرب عن أنفسهم. كأني به الجد الأعلى الشرعي لواحد من أهم مراكز الأبحاث العربية الراهنة ألا وهو مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، ولواء قيادته معقود للدكتور خير الدين حسيب. أما جبرائيل سعادة، فما أن قرأ عن كتابي: نحو علم عربي للسياسة (الطبعة الأولى، دمشق 1989) حتى بادرني بإرسال مقالٍ له قديم – ربما في الخمسينات – عنوانه دالٌّ عليه: حاجتنا إلى مستشرقين شرقيين. تحفل جرائدنا بالحديث عن الجهود المشكورة لجبرائيل سعادة في أوجه نشاطه المختلفة. حبذا لو يُعاد نشر ذلك المقال. حبذا لو يفعل ذلك الكاتب الأستاذ سجيع قرقماز، المتابع لمسيرة جبرائيل سعادة والمؤلف للكتاب الوحيد عن حياته.
أعود إلى التحريض. تشغل سورية منذ عام وبضعة أشهر ساحة السياسة العالمية والفكر العالمي. مَنْ مِنَ السوريين مهتم بتوثيق ودراسة ما نحن فيه؟ أليس من واجب مؤرخينا وباحثينا وإعلاميينا أن يفعلوا؟ سيقول قائل: لن تستطيعوا. قد تصطدم موضوعية الكاتب بقيود النشر. قد تصطدم أهواؤه الذاتية بمعوقات لا يمكن تذليلها. والسؤالان جديان ليست لدي إجابات حاسمة عنهما وعما يجاورهما. إلا أن كسلنا في التوثيق والدراسة – وهو ما قد يكون عليه الحال – أمر غير مبرر على الإطلاق. وأتساءل: ما الذي يمنع هيئة حكومية أو خاصة، علمية أو إعلامية، أن تنشر كتاباً يجمع أسماء الضحايا – الشهداء الذين وردت أسماؤهم في وسائل إعلامنا؟ ما الذي يمنع أن ننشر في كتاب البيانات الرسمية الصادرة عنا منذ بدء الأحداث؟ ما الذي يمنع أن نصدر جدولاً زمنياً بأهم الأحداث؟ ما الذي يمنع أن يتعاون عدد منا من أجل عمل توثيقي يحفظ لنا كرامة علمنا بأنفسنا؟ أم نترك الأمر لغوغل كما تركناه سابقاً لباتريك سيل؟ أسئلة أطرحها عبر هذا المقال الذي أَختُمُهُ بِإِهداء صَدّرتُ به يوم 17/4/1993 كتابي سورية: 1918 – 1968 (دمشق، دار الأبجدية – 1993، 145 صفحة).”إلى مؤسسة للدراسات السورية، تؤسس في سورية، على نحو حكومي أو خاص، لتكون المرجع الدراسي الأول في العالم لكل ما يختص بوطننا الحبيب، حفاظاً منا على كرامتينا العلمية والوطنية 

هل صدر في سورية كتاب عن الأحداث السورية؟

للسؤال الذي هو عنوان هذا المقال وجهان. وجه بريء ووجه تحريضي.

الوجه الأول البريء هو سؤال المستفهم الجاهل. لا أعرف إنْ كان قد صدر في سورية كتاب عن الأحداث السورية التي ابتدأت في منتصف آذار 2011. لم أقرأ، في ما قرأت من صحفنا على امتداد عام وبضعة أشهر، أي خبر عن صدور مثل هذا الكتاب. أرجو أن أكون مخطئاً، وأن يصحح لي من يستطيع التصحيح. أما سبب السؤال فواضح. أخذت تتكاثر الكتب عن الأحداث السورية بأقلام غير السوريين. أو بأقلام سوريين مقيمين خارج سورية، يطبعون كتبهم هناك. ليست لديَّ قائمة بكل ما صدر عن الأحداث السورية. لديّ قائمة ببعضها. وقد استفزني لكتابة هذا المقال مراجعة قرأتها في الانترناشينال هيرالد تربيون الأمريكية – الفرنسية (19/6/20012) لكتاب لا أتوقع من مؤلفه أن يكون متعاطفاً مع سورية، سلطة ومعارضة. إنه كتاب الدكتور فؤاد عجمي، الأمريكي من أصل لبناني الذي يمارس التدريس في إحدى أهم الجامعات الأمريكية، ويتمتع بنفوذ واسع في الأوساط الأكاديمية والفكرية الغربية. ساهَمتُ في واشنطن، خريف عام 1978، في جلسة مناقشة مفتوحة مع الدكتور عجمي، حين كانت جامعة جونز هوبكنز تناقش مدى صلاحيته ليصبح عضو هيئة تدريسية فيها. عَرَفتُ فيه قبل جلسة المناقشة ثم من خلالها خصماً شرساً لمفهوم العروبة ولمفهوم المقاومة. وللعلم: تُقْدِمُ بعض الجامعات الغربية، ومنذ مدة، على عقد جلسة مناقشة علمية شبه علنية لمن يتقدم طالباً شغل منصب أكاديمي فيها. يُدعى إلى الجلسة بعض من أعضاء هيئة التدريس في تلك الجامعة وغيرها وعدد من الطلبة، وبعض من ذوي الاختصاص. ويتم من خلال الجلسة تقييم المرشح. كنت في واشنطن العاصمة لدى جلسة عجمي، ودعاني إلى المشاركة في النقاش الدكتور مجيد خَدّوري والدكتور ادمون غريب وكانا آنذاك أستاذين في جامعة جونز هوبكنز. كانت جلسة عاصفة يُخالف كل ما قاله عجمي فيها ما نَشَأتُ عليه من تمسك بضرورة العمل العربي من أجل الإنماء العربي سواء على صعيد الأفراد أو على صعيد الدول.

الوجه الثاني التحريضي للسؤال نقلني إلى لويس شيخو وأمين الريحاني وجبرائيل سعادة. هؤلاء من أبناء أرضنا العربية المحبّين لها. تنبهوا، كما تَنَبَّهَ غيرهم الكثير، إلى ضرورة أن نُعَرِّفَ أنفسنا بأحوالنا بعيداً عن تعريف الآخرين لنا بها. أسس شيخو مجلة المشرق اليسوعية لكي ينتقد المستشرقين في مقاربتهم لشرقنا. أما أمين الريحاني فقد كتب عن ملوك العرب ليُعَرِّفَ الواحد منهم بالآخر فيسهل التعارف فيما بينهم. انتقد حالة العلم بالعرب مُصَرِّحاً بأن الخارجية البريطانية تعرف عن أحوال العرب، ملوكاً وشعوباً ودولاً، ما لا يعرفه العرب عن أنفسهم. كأني به الجد الأعلى الشرعي لواحد من أهم مراكز الأبحاث العربية الراهنة ألا وهو مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، ولواء قيادته معقود للدكتور خير الدين حسيب. أما جبرائيل سعادة، فما أن قرأ عن كتابي: نحو علم عربي للسياسة (الطبعة الأولى، دمشق 1989) حتى بادرني بإرسال مقالٍ له قديم – ربما في الخمسينات – عنوانه دالٌّ عليه: حاجتنا إلى مستشرقين شرقيين. تحفل جرائدنا بالحديث عن الجهود المشكورة لجبرائيل سعادة في أوجه نشاطه المختلفة. حبذا لو يُعاد نشر ذلك المقال. حبذا لو يفعل ذلك الكاتب الأستاذ سجيع قرقماز، المتابع لمسيرة جبرائيل سعادة والمؤلف للكتاب الوحيد عن حياته.

أعود إلى التحريض. تشغل سورية منذ عام وبضعة أشهر ساحة السياسة العالمية والفكر العالمي. مَنْ مِنَ السوريين مهتم بتوثيق ودراسة ما نحن فيه؟ أليس من واجب مؤرخينا وباحثينا وإعلاميينا أن يفعلوا؟ سيقول قائل: لن تستطيعوا. قد تصطدم موضوعية الكاتب بقيود النشر. قد تصطدم أهواؤه الذاتية بمعوقات لا يمكن تذليلها. والسؤالان جديان ليست لدي إجابات حاسمة عنهما وعما يجاورهما. إلا أن كسلنا في التوثيق والدراسة – وهو ما قد يكون عليه الحال – أمر غير مبرر على الإطلاق. وأتساءل: ما الذي يمنع هيئة حكومية أو خاصة، علمية أو إعلامية، أن تنشر كتاباً يجمع أسماء الضحايا – الشهداء الذين وردت أسماؤهم في وسائل إعلامنا؟ ما الذي يمنع أن ننشر في كتاب البيانات الرسمية الصادرة عنا منذ بدء الأحداث؟ ما الذي يمنع أن نصدر جدولاً زمنياً بأهم الأحداث؟ ما الذي يمنع أن يتعاون عدد منا من أجل عمل توثيقي يحفظ لنا كرامة علمنا بأنفسنا؟ أم نترك الأمر لغوغل كما تركناه سابقاً لباتريك سيل؟أسئلة أطرحها عبر هذا المقال الذي أَختُمُهُ بِإِهداء صَدّرتُ به يوم 17/4/1993 كتابي سورية: 1918 – 1968 (دمشق، دار الأبجدية – 1993، 145 صفحة).”إلى مؤسسة للدراسات السورية، تؤسس في سورية، على نحو حكومي أو خاص، لتكون المرجع الدراسي الأول في العالم لكل ما يختص بوطننا الحبيب، حفاظاً منا على كرامتينا العلمية والوطنية

الخميس، 7 يونيو 2012

حكايتي مع دولة الرئيس حسن الحكيم من خلال رسالة قديمة

(1)

ماذا يفعل المرء برسائل قديمة إذا تهيأت له ظروف للنظر فيها وتدقيقها قبل إتلافها؟

ينظر بها ويستعيد مناسباتها، ثم يقرر إما أن يحتفظ بها، أو يتلفها، أو يكتب عنها قبل الحفظ أو الإتلاف.

اخترت أن أكتب عنها أولاً. أما الرسالة التي أقنعتني بهذا الحل فكانت ذات خط جميل وأسلوب أجمل وكاتبها رجل الدولة الكبير الأستاذ حسن الحكيم رئيس وزراء سورية في أوائل الأربعينيات وأوائل الخمسينيات.

(2)

كان الحكيم سياسياً ورجل دولة ومؤلفاً وموثقاً في آن واحد. اشتهر بنزاهته وتواضعه. يقال أنه، وهو الابن العريق لدمشق العريقة، وهو رئيس الوزراء لمرتين. كان، وهو في سمو المنصب وقبل المنصب وبعده، يأخذ كيساً فيتجول في الأسواق ليملأ الكيس بحوائج البيت من خضار وفواكه. يقف مع الناس، ويوقفه الناس، ويتبادل الحديث معهم، ولا يقول انه مستعجل وأن الوقت ضيق. هو حتماً لم يكن من أولئك الذين عناهم الشاعر يوسف الخطيب حين أنشد في الستينات ذلك البيت الرائع:

كم جئتَ باب أخ في الصعب تطرقه             تطيل بث شكاة وهو يختصر

هل أقول: رحم الله أيام زمان؟ لا! بل أقول: مبارك ذلك المسؤول الذي يقف عند لهفة الناس، في أيام خوالٍ وفي أيامنا هذه وفي القابلات منها.

ولد الحكيم عام 1886 في حي الميدان بدمشق، وتوفي عام 1982. له عدد من الكتب منها اثنان عن خبراته كسياسي ورجل دولة. ومنها واحد وثائقي مختص بما كان يعرف باسم القضية السورية. ومنها كتاب –وربما أكثر- عن زعيم سوري شهير كان الحكيم من كبار مؤيديه وأصحابه هو الدكتور عبد الرحمن الشهبندر.

(3)

أما الرسالة الجميلة خطاً وأسلوباً فقد سررت بها كثيراً حين تلقيتها. ثم ما لبثت بعد قراءتها أن خجلت منها. ثم نسيتها. إلا أن الخجل عاودني إذ قرأتها بعد أن عثرت عليها. ربما أن ما يدفعني إلى نشرها الآن إنما هو الشعور بواجب التشارك في الخجل مع غيري من ... مراقبي الفكر والنشر.

وهذا نص الرسالة:

                                دمشق الأربعاء 12 محرم 1396 و 14 كانون الثاني 1976

سيادة الدكتور جورج جبور مدير الدراسات في القصر الجمهوري

علمت أن مسودات الكتابين – صفحات من حياة الشهبندر، ومن هنا وهناك – اللذين قدمتهما إلى وزارة الإعلام من أجل السماح لي بطبعهما رفعا إلى سيادتكم لدراستهما وإبداء الرأي فيهما وأنهما كانا موضع عنايتكم واهتمامكم فأشكركم وأضاعف الثناء على لطفكم وإليكم ما طلبتم بشأنهما من وثائق:

كتاب صفحات من حياة الشهبندر:

إن ما جاء في الكتاب عن حياة المغفور له الدكتور شهبندر كافية نتيجة صحبتي الطويلة له وعملي وإياه في الحقلين القومي والوطني ووقوفي خلال ذلك على ما كان يتحلى به من علم وأدب ووطنية وإخلاص وتضحية وجهاد وما إلى ذلك من حميد الصفات. أما النماذج التي ذكرتها من خطبه ومقالاته وكلماته فأنها مأخوذة عن الصحف التي كانت تنشرها في حينها ومن كتابه القضايا الاجتماعية الكبرى، وأما عن كيفية استقباله عند عودته إلى دمشق وعن حادث اغتياله ومحاكمة قتلته فمنقول عن الصحف أيضاً وعن صور المرافعات التي قدمها إلى المحكمة محامو الادعاء أمثال الأستاذ فؤاد القضماني والدكتور منير العجلاني.

كتاب من هنا وهناك:

إن ما تضمنه هذا الكتاب من أسماء رؤساء الدولة والجمهورية وأسماء المفوضين السامين الفرنسيين كان مما كنت أدونه شخصياً كعامل في القضية السورية. أما ما كتبته عن الحياة الحزبية داخل البلاد وخارجها فمصدره ملخص برامج الأحزاب. وأما ما كتبته تحت عنوان - رأيي الشخصي في بعض الشؤون الحكومية والاجتماعية- فهو نتيجة خبرتي في الحكم وما أصبحت قانعاً به شخصياً من الشؤون المذكورة سواء كنت مصيباً أو مخطئاً. وذكريات الماضي هي من مدوناتي بالطبع. أما قضية اسكندرون فمصدرها كتاب الدكتور مجيد خضوري العراقي.

وتفضلوا بقبول وافر الاحترام.

حسن الحكيم

رئيس مجلس الوزراء السوري سابقاً

(4)

لم يأتني المخطوطان بتكليف رسمي. أتى بهما إلي صديق إعلامي انتقل إلى رحمة الله هو الأستاذ محمود كامل. وأذكر أنه أتى بهما إليّ بصفتي الشخصية بعد أن امتنعت وزارة الإعلام عن إبداء الرأي فيهما. أ ذكر أنني أبديت رأياً شخصياً باستحسان إعطاء اذن بالنشر. ثم علمت لاحقاً أن الكتابين نشرا في الأردن.

لكن قصتي مع حسن الحكيم لم تنته عند ذلك الحد.

ذات صباح، قبل الرسالة أو بعدها، إذ دخلت القصر ماراً بمكتب الاستعلامات، فوجئت بهدية مقدمة إليّ هي كتاب أنيق خط مؤلفه لي إهداءً لطيفاً بخط جميل. قال مسؤول الاستعلامات: أتى رجل تقدم به العمر إلى المكتب في الثامنة صباحاً. سأل عنك. جلس ثم غادر قبل مجيئك بقليل، مودعاً لدينا هذا الكتاب.

سريعاً ما اتصلت بالأستاذ محمود كامل. في اليوم ذاته كنت في حضرة رئيس الوزراء في منزله. والشكر كله للصديقين اللذين اهتما بتهيئة الزيارة: الأستاذ محمود، والدكتور عدنان الشيخ إبراهيم، نسيب الأستاذ الحكيم والذي أصبح قبل بضع سنوات رئيساً للنادي العربي السوري في كندا.

كأنما شعر رجل الدولة اللمّاح بأنني سأسأله: كيف هكذا قمت بزيارتي دون موعد. أجاب دون أن أوجه إليه السؤال: قيل لي بأنك موظف ممتاز، والموظف الممتاز يأتي إلى عمله في الثامنة. قلت: أشاهدك وأنت تدخل القصر فأسلمك الكتاب – الهدية. فإذا سمح وقتك تحادثنا، وإلا فقد تعارفنا.

من حسن الحظ أن الإعلامي كامل كان قد هيأ نفسه للجلسة، فسجل على شريط كاسيت حواراً بين الحكيم وبيني حول ظروف تأليفه وزارته الأولى عام 1941. كانت أول وزارة يساهم بها سياسي من الساحل السوري هو المحامي منير العباس، النائب عن صافيتا عام 1937. ماذا جرى للكتاب – الهدية الذي يضم وثائق نادرة؟ طلبه مني فلان الفلاني لمدة /24/ ساعة. مانعت. قلت: أصوره ثم أعطيك الصورة. لم يقتنع. أكد وعده بإعادته بعد /24/ ساعة، إلا أنها لم تنقضِ حتى الآن. لم يبقَ من ذكرى تلك القصة الجميلة مع رئيس وزراء مدمن على الكتابة إلا الرسالة المنشورة آنفاً.

(5)

كم من رؤساء الوزارات السوريين كتبوا مذكراتهم أو نشروا كتباً؟ أستعين بالذاكرة. لديّ في ملفاتي – كما أرجح- مذكرات للدكتور محسن البرازي قبل ترؤسه الوزارة. أما الدكتور عزت النص فلديه كتب معروفة منشورة في القاهرة ودمشق. العلامة الدكتور معروف الدواليبي مؤلف مشهور وسياسي ذو مواقف ولديه مذكرات إلا أنها نشرت بعد وفاته. لم يشرف عليها بنفسه. أما الأستاذ صلاح الدين البيطار فقد تميز بكتابات سياسية جمعت في كتاب أو كتب. الدكتور عبد الرؤوف الكسم لديه، كأستاذ جامعي، أبحاث في حقل الهندسة المعمارية. وللدكتور محمد مصطفى ميرو كتاب عن أمين الريحاني نشر أيام كان محافظاً لحلب. الدكتور عادل سفر، رئيس الوزراء السابق، أستاذ جامعي له أبحاثه. من هذه الجردة المعتمدة على الذاكرة يتضح أن حسن الحكيم كان الوحيد من بين رؤساء الوزارات السوريين الذي اهتم بنشر مذكراته بصفته رئيساً للوزراء، وأنه فعل ذلك بنفسه. وتبقى نقطة لا أعرفها على وجه التدقيق: ما هو الصدى الذي أنتجته هذه المذكرات في سورية إن كانت نُشِرَت فيها؟ وتحية إلى ذكرى الرجل الكبير الذي اعتنى بأوراقه السياسية أكثر من عناية أي من أمثاله بمثيلاتها.
جورج جبور

7 حزيران 2012

الأربعاء، 9 مايو 2012

دروس ستة وحدودها علمتني إياها الحياة

حديث الأستاذ الدكتور جورج جبور
بدعوة من أسرة عائلات الصليب المقدس:
الساعة 8،30 مساء الأربعاء 9 أيار 2012
تقديم

بناء على دعوة الصديق الدكتور نعمت أديب للحديث أمام أسرة عائلات الصليب المقدس في القصاع، اتفقت معه على حديثٍ عنوانه : دروس خمسة وحدودها علمتني إياها الحياة.

ابتدأت قصة هذه الدروس أوائل عام 2005. اتصل بي آنذاك الدكتور سمير صارم، وهو الآن رئيس فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب، وسألني كتابة بضع صفحات تحت عنوان: هكذا علمتني الحياة، تُضمُّ إلى نظيراتٍ لها يكتبها مدعوون آخرون لتصبح كتاباً يصدر. ثم إن الكتاب لم يصدر.

أحبَّ ما كتبتُ بعض الأصدقاء من الفاعلين الثقافيّين، فكان أن أُلقيَت هذه الصفحات مرات عدة في أماكن مختلفة أهمها في مدينة القامشلي أمام حضور حاشد جداً بدعوة من سيادة المطران روهم مساء يوم 28تشرين الثاني 2009. كذلك نُشِرَت مرّات في عددٍ من الدوريات السورية والعربية.

كانت الدروس خمسة. رأيتُ اليوم أن أُضيف إليها درساً سادساً. سوف أتحدث عن آية هامة في أعمال الرسل، أفسِّرُها على نحوٍ جديدٍ منسجم مع عالمية حقوق الإنسان، ومع مبدأ المساواة في الإنسانية، ومع مكانة المسيحية المشرقية. أتحدث شفهياً، ولكنني أرفق هنا لرئاسة الأسرة صفحتين من نشرة الأرمن الكاثوليك – حلب (السنة 55-56، الأعداد 1-4، 2009-2010) رفعتهما مؤخَّراً، عن طريق الصديق صاحب السعادة القاصد الرسولي في دمشق، إلى صاحب القداسة البابا بندكتس السادس عشر. يزور قداسته لبنان أيام 14- 16 أيلول 2012. كم من الجميل أن يقفَ قداسته في كلماته، قبل الزيارة وأثناءها، عند الموضوع الذي أشارت إليه الصفحتان. وعلى الدكتور نعمت وأسرة عائلات الصليب المقدس الإعتماد في المتابعة.
دمشق في 9 أيار 2012                            انتهى التفديم  

الثلاثاء، 8 فبراير 2011

اللغة العربية والنزعات الانفصالية في الوطن العربي


مداخلة

الدكتور جورج جبور

في ورشة عمل أقامتها مجموعة أبحاث المشروع

القومي في هيئة الأبحاث القومية: 6/2/2011

 

أولاً : تقديم:

من المفيد أن القيادة القومية تيقظت لأهمية الموضوع الذي سررت إذ دعيت إلى الاشتراك في مناقشته. وكنت، منذ عام 1975، عالجت جوانب منه في محاضرات ألقيتها على طلبة الماجستير في العلوم السياسية، ضمن إطار معهد البحوث والدراسات العربية، وظهرت هذه المحاضرات كتاباً أصدرته وزارة الثقافة السورية عام 1976.

في الورقة الخلفية لعنوان الورشة إشارة إلى السودان.

قبل السودان كانت ثمة إشارات شتى. لم نلتقطها. قد كانت أمور لم نحن فيها محمودين، كما في تعديل طفيف لمأثورٍ عن الإمام علي. وفي المأثور عنه أيضاً: عفا الله عما مضى.

أعالج، باختصار شديد، مواضيع ثلاثة في صلب عمل الورشة عن اللغات المحلية، والعامية، والحرف، وأختم بملاحظات في اللغة الدستورية العربية.

ثانياً: اللغات المحلية:

حين تُشَجَّع اللغات المحلية بدعم من الخارج فمعنى ذلك تشجيع نزعة انفصالية قوامها المتكلمون بتلك اللغة. هذا ما يراه معظم القوميين العرب. يؤخذ على هذا الرأي، الصحيح بمجمله، أن تشجيع اللغات المحلية بدعم من الخارج قد يكون بدافع علمي بريء من مظنة تشجيع الانفصال. إلا أن البحث في الدوافع مستعصٍ في أحيان كثيرة. ما العمل إذن؟ لدى استعصاء استخدام معيار البحث في الدوافع ينبغي النظر بمعيار النتيجة. وفي نظري أن نتيجة التشجيع الخارجي للغات المحلية تشجيع النزعة الانفصالية إلا إذا استطاع الداعم الخارجي إثبات العكس.

ثم إن للأمر ما يقابله. تشجيع اللغات المحلية مستحسن بمقتضى الاتفاق الدولي الخاص بالتنوع الثقافي وبمقتضى الوثائق الملزمة الخاصة بحقوق الإنسان. فلنقل إذن وبوضوح أن الدعم الداخلي للغات المحلية مستحسن، وأنه – في المحصلة – يصب في تيار إحباط النزعة  الانفصالية. ويشهد تاريخ الحضارة العربية أنها لم تقمع اللغات المحلية، بل هي استفادت منها وأخذت عنها.

ما سبق يتطلب منا، في التطبيق، إنشاء خارطة للغات المحلية. وأرى أن من واجب هيئة الأبحاث القومية التي دعتنا إلى هذه الورشة، أن تنشئ هي ذاتها هذه الخارطة.

وفي انتظار الخارطة المرجوة أتقدم بتصنيف عملي ثنائي للغات المحلية بمعيار إمكان احتضان تلك اللغات لنزعة انفصالية.

ثمة أولاً لغات محلية ليس بإمكانها احتضان نزعة انفصالية لقلة عدد المتكلمين فيها و/أو لتوزع المتكلمين فيها جغرافياً و/أو لفقرها. ضمن هذه اللغات ما يرى كثيرون أنها لهجات من لغة عربية أقدم وآصل. بذلك أشير إلى الآرامية والسريانية والهيروغليفية. وإشارتي ليست على سبيل الحصر. هنا تبرز مسألة أخرى: هل يؤمن أصحاب هذه اللغات، المدعوة لهجات، أنها عربية؟ فإن لم يؤمنوا بذلك، فكيف السبيل إلى هدايتهم؟ ثم هل من الضروري هدايتهم إلى ”الإيمان الحق”؟ أجيب عن السؤال الثاني: ليس ذلك ضرورياً. ولا بأس بأن ندعو لغات ما نراه لهجات إذا كان ذلك يروق لمتكلمي تلك اللغات – اللهجات.

ثم إن اللغات المحلية التي ليس بإمكانها احتضان نزعة انفصالية لا تقتصر غلى اللغات – اللهجات المنبثقة من لغة عربية أقدم وآصل. ثمة في سورية الأرمنية والشركسية وغيرهما. وفي الأرجح ثمة لغات لها وضع مماثل في أقطار عربية أخرى.

هذه اللغات المحلية كلها، التي يجمع بينها أنها لا يمكن أن تحتضن نزعة انفصالية، ينبغي أن تُشَجّع من الداخل. واجب الحكومات العربية الواضح الحيلولة دون قمع هذه اللغات، وبذل المزيد من الاهتمام لصيانتها واحترامها. ولأقل ببساطة شديدة جداً من منطلقي القومي: كما أنني أكره أن يكتب تاريخنا مستشرق، كذلك أكره أن تكون في الغرب مؤسسات للعناية بالسريانية (مثلاً) وأن نهمل في قطرنا تلك العناية.

آتي إلى الجزء الثاني من التصنيف العملي الثنائي للغات المحلية. ثمة لغات محلية بإمكانها احتضان نزعة انفصالية. أهم هذه اللغات اثنتان: الكردية في العراق وسورية. وللكردية أيضاً متكلمون، وإن قلة، في أقطار عربية أخرى. والأمازيغية في أقطار المغرب العربي ولا سيما في الجزائر والمغرب.

فأما الكردية فهي ليست من اللغات التي يمكن أن توصف بأنها لهجة عربية. ثم أن الأكراد كانوا قد وعدوا بدولة قبل نحو من قرن، وكانوا أقاموا دولة أواخر النصف الأول من القرن العشرين. ولديهم الآن إقليم في العراق له من خصائص الدولة أكثر مما لأي إقليم أو منطقة في العراق. ليس من المنطقي أن أعالج هنا الموضوع الكردي. أكتفي بأنني أقول عنه، منذ عقود، وبالتحديد منذ قرأت محاضر محادثات الوحدة الثلاثية عام 1963، مقتبساً تعابير وردت في مقدمة البيان الشيوعي، أكتفي بأن أقول عنه: ثمة شبح يجول في منطقة الشرق الأوسط اسمه المسألة الكردية. شبح بالغ الأهمية، يبحث عمن يعتني به العناية اللائقة. وأختم حديث الاكتفاء بتمنٍ: حبذا لو تعقد هيئة الأبحاث القومية ورشة عمل عاجلة تضم مشاركين من مختلف الأقطار العربية، وفي الطليعة العراق، للتباحث في موضوع مؤتمر القمة العربية المقبل المفترض أن يعقد في بغداد أواخر آذار المقبل([1]). ما علاقة اللغة الكردية بالمؤتمر؟ في المتداول أن المكان الأكثر أمناً في العراق هو أربيل، عاصمة الأقليم الكردي. في المتداول أن المؤتمر، قد يعقد هناك. ومما يرد إلى الذهن أن الكردية قد تتآخى مع العربية في بعض ما قد يُسمع في المؤتمر.

أما النزعة الأمازيغية فهي أقل تموضعاً مكانياً مقترناً بصفات الدولة من النزعة الكردية. ومن المفيد أن اهتمامنا بها أثبت لها صلة قربى بالعربية. إلا أن من الثابت أن عدداً لا بأس به من الأمازيغ ينكر هذه الصلة. وفي كل حال، وفي وصفة سريعة أقول: علينا أن نهتم بمطالب الأمازيغ لكي لا تزداد تطرفاً. وعلينا في الوقت نفسه أن نمارس المزيد من القدرة الاقناعية عن طريق العلم الدقيق لكي يزداد عدد المؤمنين بصلة القربى بين الأمازيغية والعربية.

بَدَأتُ كلمتي في هذا الجزء من البحث بحديث عن تشجيع الخارج للغات المحلية بهدف تشجيع النزعات الانفصالية. ولكي أقدم صورة أكثر توازناً عما يجري في العالم بهذا الشأن، ولا سيما منذ أن تفاقمت العولمة بشقيها – وأقصد العولمة الأمريكية والعولمة المناهضة للأمركة – مع اختفاء الاتحاد السوفيتي، فإنني أقول أن النزعات الانفصالية على أساس اللغة أمر يزداد انتشاراً في كل مكان من العالم، بما في ذلك أوروبا. وحين أقول أوربا فإنما أنفي بذلك أن يكون هناك تشجيع خارجي لنزعة انفصالية معتمدة على لغة محلية. ليس للباسكيين ولا للكوريسكين (مثلاً) مشجعون خارجيون معروفون متفق على هويتهم وعلى نيتهم. النزعات الانفصالية المعتمدة على اللغة ليست كلها نتيجة تآمر. صحيح أن التآمر جلي في بعضها، إلا أنه في بعضها الآخر، اشتقاق طبيعي من مبدأ القوميات الذي يمكن أن نؤرخ له بصلح وسنفاليا عام 1648.

ثالثاً: العامية:

حديث العامية يطول، وله عندي حدان، أول الحدين: لا يمكن القضاء على العامية. وُجِدَت العامية منذ زمن طويل. لم تستطع إلغاء الفصحى وليست في سبيلها لتفعل. منتشرةٌ هي، لكن التوسع في استخدام الفصحى الوسيطة، وهو أمر جارٍ، يحد من نفوذها. ثاني الحدين: الإغراق في تقعيد اللهجات المحلية أمر لا يحظى بالرضى العام. التقعيد من نطاق العلم، والاهتمام بحد أدنى منه مقبول. أما الاغراق فيه فقد يفصح عن بواعث يرى فيها البعض ما يثير تساؤلاً عن النوايا.

أعلم أن وزارة الثقافة السورية لا ترحب في مراكزها الثقافية بشعر الزجل، إلا استثناء.وأعلم ما اتخذ مجمع اللغة العربية بشأن العامية من إجراء. وأعلم أن موضوع العامية يثير، ما يزال، النقاش الحاد في معظم الدول العربية، ولعل سورية هي المكان الأكثر هدوءاً وعقلانية في النقاش المنتشر. وهي أيضاً – فيما أقدر – الأكثر تمسكاً بالفصحى.

ثم إن علينا ألا نشعر بضرورة أن تكون الحماسة للعامية نتيجة تآمر خارجي أو داخلي. أصنف نفسي من المتحمسين للفصحى، ولكنني لا أبالغ في محاولة الحد من العامية، وأعلم أن لكل لغة عاميتها إلى جانب فصحاها، وأن كثيراً من الالفاظ العامية مشتق من الفصحى، وأن الكثير منها أيضاً قابل لأن يُفَصَّح أو يُفَصْحَن. وأرى أن وسائل الإعلام العربية، إن نَبُهَت أو نُبّهَت، بإمكانها أن تقودنا إلى عربية هي فصحى وسيطة أشعر شخصياً بأنها مؤهلة لتكون عابرة للأقطار العربية كافة.

هذا وينبغي أن أذكر أن قواميساً للعامية تصدر دورياً في بعض الدول. ولم يصل إلى علمي أن ثمة تحفظات على هذه ”العادة”.

أما بالنسبة للعامية في شركات الحواسيب العالمية وما يتم تبنيه في نوافذ الترجمة الالية الحديثة، وهي ما تشير إليه الورقة الخاصة بالوررشة فأمر التعليق عليه ومعالجته ليس عندي، لأنني لست على دراية كاملة بهذا الموضوع.

رابعاً: الحرف العربي:

كانت التجربة الأكبر في هجران الحرف العربي هي تلك التي أقدم عليها أتاتورك ضمن إجراءات ”عصرنة” تركيا. شملت تلك التجربة شؤوناً دينية مثل منع المناداة إلى الصلاة بندائها العربي المعهود: الله أكبر. ترجمت السلطة النداء إلى التركية، لم تُعدْه إلى أصلة العربي إلا عام 1950، عهد عدنان مندريس.

منذئذ أخذت تركيا، وبالتدريج، وبخطوات ليست دائماً إلى الأمام، تعود إلى إرثها الحضاري، وفي طليعته الديني. هل لنا أن نأمل في العودة إلى الحرف العربي بعد توطد الاتجاه التركي الجديد في الاعتزاز ببعض مظاهر الإرث الحضاري؟

ورد إلى الذهن هذا السؤال فلم أشأ قمعه.

ثم فلأذكر هذه الحادثة. ذات يوم أتصل بي هاتفياً من طاجكستان، بين روسيا والصين، صديق كان مرافقاً لي في إحدى زياراتي إلى الاتحاد السوفيتي. جاء اتصاله بعد انفصال طاجكستان عما كان الاتحاد السوفيتي. سألني إمداده بكتب عن اللغة العربية. عاود الاتصال في اليوم التالي ليقول بأسف: لقد تقرر استعمال الحرف اللاتيني.

كيف نوازن بين جمالية الحرف العربي وجمالية الحرف اللاتيني؟ وبين عمليتهما؟ ذلكم سؤال مطروح قد أعود إليه في أيام قادمة.

خامساً: ملاحظات في اللغة الدستورية العربية وإرتساماتها الواقعية:

1- ثمة لا ريب علاقة بين إضعاف العربية وبين تشجيع النزعات الانفصالية. عرفت سورية هذه العلاقة حين أصدرت فرنسا دساتير 14/5/1920 وفي عدادها دستوران فرضا على دولتي جبل العرب وجبال الساحل. وكان الهدف من إنشاء هاتين الدويلتين تشجيعهما على الانفصال. وردت في دستوري الدويلتين مادة موحدة رقمها /10/ ونصها كما يلي:

”اللغتان العربية والفرنساوية هما اللغتان الرسميتان”

كذلك عَرَفَتْ دساتير عدة دول عربية كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، عرفت مواداً تنص على مكان خاص للفرنسية إلى جانب العربية. وبإمكان من يشاء الاستزادة النظر في كتابي: العروبة والإسلام في الدساتير العربية (طرابلس لبنان، جروس برس، ط/3/ 1995، ص 34 – 37).

2- كانت سورية رائدة في تكريس دستورية تعبير أثير لدى فكرها السياسي هو تعبير الأمة العربية. دستور عام 1950 بدأ هذا التقليد الدستوري. اقتدت بالسابقة الدستورية السورية كل من الأردن (1952) ومصر (1956) والعراق (1958) وتابعتها دساتير عربية أخرى يتجاوز عددها نصف المجموع.

ومن الطريف أننا لا نجد ذكراً لهذه الريادة في كتب كليات الحقوق السورية الخاصة بالدساتير. كذلك لم تستجب وزارة التربية إلى مذكرة رسمية تحمل توقيعي وَجَّهتها إليها عام 1990 رئاسة مجلس الوزراء، وتطالبها بأن تلحظ الريادة السورية في الكتب المدرسية. أَعَدْتُ توجيه المذكرة أواخر عام 2010 ولم استلم حتى الآن إجابة مكتوبة، وإن كان أحد العاملين في الوزارة قد أعلمني شفهياً أنه تمت الاستجابة إلى ما طلبت. أذكر هذا الأمر بالتفصيل لأن من واجب مسؤولينا الحفاوة بالاقتراحات الإيجابية وبأصحابها، لا تجاهلهم. بمثل هذا الاعتراف يكون المسؤول مسؤولاً حقاً، جديراً بمنصبه، مساهماً في التقدم.

تَلقّى تعبيرُ الأمة العربية في توسعه الدستوري صدمتين. كانت الصدمة الأولى عام 1977 مع زيارة الرئيس السادات إلى القدس . منذ ذلك التاريخ توقف توسع التعبير، على حد ما تابعت. أما الصدمة الثانية فكانت عام /2004/ حين بَدَأتْ في العراق تقاليد دستورية تتراجع عن تبني التعبير. أثرت هذا الأمر في مجلس الشعب يوم 16/2/2004 مطالباً المجلس أن ينافح عن السابقة الدستورية السورية. تابع الأمر علناً السيد عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية، ونجح في إقناع السلطات العراقية بأن ينص الدستور على حقيقة تاريخية هي أن العراق عضو مؤسس في جامعة الدول العربية. هكذا أصبحت عروبة العراق من طبيعة سياسية، بعد أن كانت، منذ الثورة العراقية عام 1958، من طبيعة قومية.

3- ثمة تعابير دستورية أثيرة لديّ ولدى القوميين العرب، تحفل بها أدبياتنا السياسية البعثية ولا سيما في القطر العربي السوري. أهم هذه التعابير ثلاثة: الأمة العربية، القومية العربية، الوطن العربي. بل لعلها أربعة: الشعب العربي. في أدبياتنا البعثية كان يمتنع القول، ذات عهد في تاريخنا المعاصر، الشعب السوري، أو حتى: الشعب العربي السوري. كان علينا، بمقتضى ما رأيناه دعماً لعقيدتنا البعثية، أن نقول: الشعب العربي في سورية. وبالنسبة لي شخصياً فقد اقترحت، بدءاً من عقد معاهدة السادات – بيغن، بأن تطالَبَ الدول العربية كافة بتعديل دساتيرها لكي يتم النص فيها على انتماء شعب كل دولة منها إلى الأمة العربية (انظر مقال: لو كنت مكان الشاذلي التلبي وأمامي مؤتمر قمة عربي، مجلة المستقبل الباريسية الأسبوعية المحتجبة 10/11/1980). كان ذلك إشارة إلى رفض الأمة العربية لانفراد مصر السادات، وإلى الواجب العربي المشترك في مناهضة الصهيونية وعنصريتها.

أتأمل الأمور الآن بعد نيف وثلاثين عاماً من دعوتي تلك، فأتساءل: أين نحن الآن؟ أكتب وثورة مصر تدخل أسبوعها الثالث (بدأت في 25/1/2011 وأكتب في 8/2/2011). هل ستعطي ثورة شباب مصر حياة جديدة لتلك الدعوة؟ هل سيثور الشباب على كامب-ديفيد في متابعة لثورتهم على الرئيس مبارك؟ ذلك ما آمله وأرجو أن تأتي به الأيام.

أتأمل الأمور الآن بعد نيف وثلاثين عاماً. تغيرت اللغة السياسية والدستورية العربية. أصبح لازمةً الاحتفاءُ بالتعددية في جميع أنواعها: الاثنية واللغوية والثقافية والدينية. وتطورت التعددية انفصالاً أعلن رئيس السودان أمس قبوله. تبذل الحكومات العربية جهوداً هائلة لتشجيع فكرة المواطنة بما تعنيه هذه الفكرة من احتضان الجميع على قدم المساواة. هل من المحتم، بالمنطق، أن يتحول الاحتفاء بالتعددية انفصالاً؟ أم هل بالإمكان ترسيخ انسجام موجود بين الثقافة القومية والثقافات المحلية، وخلقه إن لم يكن موجوداً؟ تلكم أسئلة عالجتها عام 1977 في بحث خاص عنوانه: الثقافة القومية والثقافات المحلية: تناقض أم انسجام؟ وكانت مناسبته أوضاع لبنان في ضوء حرب أهلية خبرها منذ عام 1975.

هل تتناقض فكرة القومية العربية مع فكرة المواطنة؟ وإلى أي حد؟ تترافق فكرة القومية العربية مع مشروع هائل جوهره إقامة كيان كبير. يبتعد هذا المشروع الذي لم يُقَيّض له أن يخدمه بإخلاص معظم المنادين به. ويبقى مع ذلك مشروعاً يستمد شرعيته من ضمائر كثيرين. أما فكرة المواطنة، فالهم الأكبر فيها صيانة الدولة الراهنة من التشرذم.

في ما ورد إجابة أو بعض إجابة عن أسئلة. إلا أن الأسئلة تتدفق، ولديها قدرة على جرف كثير من الإجابات. والمطلوب الأول في أيامنا هذه تملُّكُك شجاعة فكرية في طرح السؤال وفي الإجابة عنه.

تلكم نقاط أثارها في الوجدان موضوع ورشة عملنا هذه. أختم بشكر مَنْ اقترح ومن بادر ومن نفذ ومن شارك. واعترف بأن إفادتي من المداولات كانت أعمق مما توقعت.


[1] - كُتِبَ هذا الكلام في 8/2/2011. ثم في 12/2/2011 أكدت سورية دعم عقد القمة العربية على أرض العراق. في كل حال يبقى واجب الهيئة قائماً من حيث ضرورة الاهتمام بكل قمة عربية.