الاثنين، 6 يناير 2014

ذكريات على هامش التاريخ السياسي السوري المعاصر البحاثة حنا بطاطو وزوجة عبد الحليم خدام الأولى

1-        مقالة الخازن عن بطاطو: 26/2/2013
2-         مقالة بطاطو عن الضباط المتاورة وزوجة خدام الأولى
3-         تبرؤ بطاطو من مقالته
4-         صدى مقالة بطاطو لدى هدسون والخارجية الأمريكية
5-         فلنكتب التاريخ ناظرين إلى المستقبل.. 27


(1)

العام الجديد نقطة علام في تاريخ العالم. وأحب أن أجعل منه نقطة علام لي، أُقدِمُ في اوائله، إذ يهل علينا، بتصفية مخلفات العام الماضي -وهو هنا عام 2013-.

من مخلفات العام الماضي ملفات تضم مقالات كان علي أن أقرأها في وقتها فلم أفعل. مع بداية العام الجديد أخذت أستعرضها بسرعة.  تخلصت من بعضها. دَوَّرْتُ بعضها الآخر.

وقرأت بعضاً ثالثاً، منه مقالة للأستاذ جهاد الخازن نشرتها الحياة في 26/2/2013. تحت العنوان المعهود: "عيون وآذان". كتبت فوق العنوان بخط اليد: حنا بطاطو. أستسيغ هذا الاسم، أعشق متابعة كل ما يختص به.

معظم مقالة الخازن عن بطاطو، وبالتحديد عن كتاب له صدر بالإنكليزية عام 1999 عنوانه: فلاحو سورية المتحدرون من أسر ريفية أقل بروزاً وسياساتها. لم أسمع عن قبل بهذا الكتاب، إلا أنني كنت أعلم أن البحاثة بطاطو كان يؤلف كتاباً عن سورية، وعن بنيتها الاقتصادية - الاجتماعية، وكيفية تجلي هذه البنية سياسياً.  أحسن الخازن في وصف بطاطو، أنقل عنه هنا بعض العبارات التي توضح ملامح البحاثة وكتابه:

"كان وطنياً عربياً من منازلهم (أي من منازل الوطنيين العرب). أذكر أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر، حاضر في طلاب جورجتاون، ومع أنه معتدل وتحدث باعتدال، فقد تصدى له حنا بطاطو، وسرد له تاريخ جرائم الإدارات الأمريكية المتعاقبة بحق العرب والمسلمين في شكل لا يقدر عليه إلا مؤرخ من هذا المستوى النادر معرفة وإنسانية.

الكتاب صدر سنة 1999 عن مطبعة جامعة برنستون وطلبته مع انفجار الأوضاع في سورية لأنه يشرح خلفيتها في شكل يلقي ضوءاً على النظام الحالي والثورة عليه، وأستاذي حنا بطاطو توفي في السنة التالية في 24/6/2000.

أستطيع أن أبدي ثقتي بكل كلمة وسطر في الكتاب، والفصول عن علاقة حافظ الأسد بشيوخ السنة في بلاده، ومحاولاته إثبات أن الإسماعيليين جزء من الشيعة الجعفرية الاثني عشرية، تزخر بمعلومات موثّقة هي جزء أساسي من تاريخ سورية الحديث".

يتشارك مع الخازن في توصيف بطاطو كل من عرفت من طلابه. لم أقرأ أي كتاب له من الغلاف إلى الغلاف كما يقال، إلا أن ما اطلعت عليه منها كافٍ لكي يجعلني أعجب بجديته وبدأبه وبإخلاصه لوطنه وللعرب على نحو عام. حماسة طلابه له تذكرني بحماسة مريدي علي الوردي، أو بحماسة طلاب حامد ربيع ومريديه.

(2)

بذخيرتي عن بطاطو من أفواه المعجبين به، لم يكن من المتوقع ألا أنقض على مقالة (دراسة) له ظهرت في مجلة علمية رصينة هي: مجلة الشرق الأوسط Middl East Journal الفصلية. ظهرت أوائل الثمانينيات. عنوان المقالة مثير هو - كما أذكر - "الضباط المتاورة حول حافظ الأسد". كنت آنذاك أعمل في القصر الجمهوري السوري مديراً للدراسات السياسية والعامة.  الضباط الذين يتحدث عنهم بطاطو هم من المقربين للرئيس حافظ الأسد كما أقدر.

من المرجح - لدي - أنهم الذين يتحدث إليهم الرئيس ويجالسهم أكثر مما يتحدث إلي ويجالسني.

قرأت في مقالته ما أثار لدي شيئاً من الشك في دقة من اشتهر بدقته. كيف أستثير الشك؟ بدا لي بطاطو، في بضعة أسطر من ذات صفحة من مقالته، وكأنه يطرح السؤال التالي: لماذا يثق حافظ الأسد بعبد الحليم خدام. بدا لي وكأنه يجيب: لأن زوجة خدام الأولى من آل الهواش، زعماء المتاورة.  توقفت عن القراءة. لا أعرف لخدام زوجة أولى من ثانية. عدت إلى قراءة النص، وتقدمت إلى قراءة مصدر المعلومة.  إذ قرأت المصدر، لم أصبر. صديقي "عميد" آل الهواش، الحقوقي والنائب فالسفير الأستاذ جهاد رحمه الله. لم أصبر حتى أنهي المقالة. هتفت له: من هي ابنة الهواش التي كانت زوجة أولى للأستاذ خدام؟ بدماثته، بأسلوبه السمح الذي لا يخفي معلومة، أعلمني أنها شقيقته السيدة فدوى. لكنها لم تكن زوجة خدام. كانت زوجة شخص من إحدى عائلات بانياس السياسية.

أخطأ حنا بطاطو الذي لا يخطئ. هذه الأسطر عن "اشتباكي" مع الخطأ. ولها هدفان: أولهما إظهار المدى الذي تستطيع به معلومة خاطئة أن تشق طريقها عريضاً واسعاً للانتشار العلمي والسياسي إذا صادفت تلك المعلومة تربة خصبة في وجدانات أصحاب مدرسة تحاول دائما تصور حكم الأسد والبعث قائماً على مرتكزات طائفية وعشائرية. أما ثاني الهدفين فهو حث السوريين على العناية بتاريخهم السياسي المعاصر، وهم الذين يشهدون منذ ثلاثة أعوام أحداثاً مؤلمة لم يصدر بشأنها، في سورية وعلى حد ما أعلم، كتاب جاد يتمتع بالقدرة على الإقناع العام. أفهم مسوغات التقصير، وأود أن يتم تجاوزها، وأرجو أن تخلص الأحداث المؤلمة إلى نتيجة فيها خير لسورية الوطن، وللسوريين جميعاً.

ثم إنني لا أعتبر هذه الأسطر انتقاصاً من قيمة البحاثة بطاطو العلمية، ولاسيما أنه تبرأ أمامي - على الأقل - من مقالته (دراسته) تلك.

أما وقد خلصت إلى ما ابتغيت، فلأنطلق في حديث ذكريات على هامش التاريخ.

(3)

"صلّي يا ستي صلّي لكي ينجح عمك." تلك كانت كلمات جدتها لها. هكذا تستعيد أختي الدكتورة جهينة، أطال الله عمرها، إسهامها، وهي ابنة سنوات تسع، في المعركة الانتخابية القاسية التي خاضها عمي المحامي أديب عام 1937، مرشحاً للنيابة عن قضاء (منطقة) صافيتا على قائمة عزيز بك الهواش.

لم تفز القائمة.  في أعقاب المعركة الانتخابية، بل وأثناءها وبعدها وبفعلها كانت أحاديث عن مكان محافظة اللاذقية في الدولة السورية الموحدة الجديدة. كانت محافظة اللاذقية الحالية تشمل أيضاً ما هو الآن محافظة طرطوس. أقرّ البرلمان السوري مشروع المعاهدة مع فرنسا الذي اعترف باستقلال سورية. إلا أن تأخر البرلمان الفرنسي في إقرار مشروع المعاهدة جدد الحديث عن إمكان قيام دولة للعلويين.

ذات يوم هتفت لي الأستاذة الدكتورة خيرية قاسمية، البارعة في النظر إلى ما خلّف السياسيون العرب من أوراق. تعيدهم المؤرخة الشهيرة، تعيد السياسيين إلى الحياة من خلال مخلفاتهم. قالت إنها عثرت في مكان ما على رسالة من عزيز الهواش إلى أديب جبور يذكر بها الزعيم العلوي نتائج محادثات له أجراها مع مسؤول فرنسي كبير في بيروت عن إمكان قيام دولة علوية. بدا المرسل والمرسل إليه، من خلال الرسالة، وهما المهزومان انتخابياً، متعاطفين مع ذلك الإمكان. أمدتني المؤرخة بالرسالة - الوثيقة. كنت أعد للنشر كتابي: نحو علم عربي للسياسة (دمشق، الطبعة الثالثة، 2009)، وبه مذكراتي عن عام ونيف من إقامتي في القاهرة أستاذاً ورئيساً لقسم الدراسات السياسية والقومية في معهد البحوث والدراسات العربية. تسجل الرسالة - الوثيقة موقفاً فكرياً سياسياً يتناقض جدياً مع فلسفة الكتاب الذي أعد. أحببت تحييد أثر ما وقعت عليه المؤرخة، أحببت إبطال مفعول الرسالة - الوثيقة، ولاسيما انها تتناقض  مع ما اعلم عن طرفيها من تمسك بالوحدة السورية،  مستبقاً أنهاقد تقع في يد من قد ينشرها.  أخضعت الوثيقة، التي قد تكون مزيفة، للمتطلب السياسي.  أضفت هامشاً على المذكرات هذا نصه.

ص/168/

بعد مدة قصيرة من ظهور الكتاب هتف لي من فندق شيراتون دمشق إلى مكتبي في القصر الدكتور حنا بطاطو. تحدث معي بكل "مهنية" كأنني زميل باحث صديق له منذ زمن. حدثني عن بعض كتبي وكتاباتي. ثم توصل إلى ما يريد. يود أن يتعامل بحثياً مع سورية كما تعامل مع العراق. قال إنه حصل على الموافقات اللازمة. سألني تحديد موعد يزورني به في مكتبي. فعلت. لم أحدثه عبر الهاتف عن مقالته بشأن الضباط المقربين من الرئيس حافظ الأسد. سيكون لدى لقائي به متسع من الوقت للحديث عن تلك المقالة التي توقفت عن قراءتها لحظة أدركت غلطته الكبيرة. الغلطة معوق يحول دون استمرار القراءة الهادفة إلى الاستفادة.

مكثت الغلطة جاثمة في الذهن، ثقيلة مهيمنة. ثم كأنني مللت من تأجيلي مفاجأتي له بغلطه إلى أن يحين موعد اللقاء. فماذا فعلت؟ وضعت لصيقة ظاهرة على ذلك الموضع في كتابي الذي أتحدث به عن علاقة عائلية قديمة مع آل الهواش.

أرسلت إليه الكتاب. لم تمض سوى دقائق - فيما أقدر - بعد استلامه الكتاب إلا وكان على الهاتف ثانية مفتتحاً كلامه بجملة لن أنساها: "أتمنى لو كانت شلّت يدي قبل أن أكتب تلك المقالة" لم تكن كلمة "المقالة" قد وردت في المكالمة الأولى. لم يذكر في مكالمته الثانية أية مقالة يقصد. لم يشر إلى المقالة بهويتها: بعنوانها ومكان نشرها وتاريخه. أشار إليها بأنها تلك المقالة. يُقدِّرُ هو - وكان تقديره حقاً - أن المقالة معروفة لدي، وان كتابي الذي وصله تسفيه لها. وفي تعبيره "تلك المقالة" إيحاء بابتعاده عنها. إنها تلك. كأنها ليست مقالته. حادثة فريدة تصلح أنموذجاً لحوار فطن صامت.

في لقائنا كان قمة في التواضع. لعل الحادثة زادته تواضعاً. تبرع لي مباشرة، ودون طلب، باسم من أعطاه المعلومة المغلوطة. ولم يسألني تعهداً بألا أبوح بالاسم. حدثني عن ظروف اهتمامه بموضوع المقالة. بل لعله أوحى أنه إنما ينوي الانكباب على الموضوع السوري، من الأرض السورية، لكي يبني بحثه، نتيجة ملامسة الواقع، على قاعدة علمية أصلب.

كان ذلك لقائي الوحيد بحنا بطاطو. إلا أنه كان لقاءاً ذا أثر. رغم تبرئه من مقالته سيطرعلي شعور بأنه فقد شرعيته العلمية بالضربة القاضية.

متى كانت زيارة البحاثة لي؟ ربما في أواخر عام 1988. كانت قد مضت سنوات على مقالته "العسكرية". واستمر تأثيرها حتى منتصف التسعينات على الأقل. فلأستطرد.

(4)

في 17/5/1983 توصلت الحكومة اللبنانية، بواسطة أمريكية، إلى اتفاق مع إسرائيل حكم عليه بالفشل أوائل آذار 1984. كان الاتفاق استثماراً سياسياً لعدوان إسرائيل على لبنان عام 1982. غضبت دمشق. في أيار عقد الاتفاق.  في آذار 1984 نقض.

درجت إمارة أبو ظبي على استضافة دورات دبلوماسية تنظمها جامعة الدول العربية ويدعى لإلقاء محاضرات فيها خبراء بشؤوننا من الدول الغربية، من المتعاطفين - إجمالاً – مع  وجهة النظر العربية في الأحداث الدولية. كان منهم واحد اسمه مايكل هدسون. هو صديق قديم جمعتنا زمالة حضور في مؤتمرات تخصصية أثناء إقامتي في أمريكا خلال النصف الأول من الستينات. متزوج من فلسطينية ومن القضية العربية الأولى أيضاً. في بنية مايكل الفكرية احترام لكل بني البشر واحترام للمساواة بينهم. له رأيه المسموع في السياسة اللبنانية لدى اللبنانيين وغيرهم.

كتابه عن لبنان بعنوان: الجمهورية المقلقلة The Precarious Republic كان قد منع من التداول في لبنان الذي لا يمنع تداول الكتب. به تنبأ، قبل الأحداث اللبنانية عام 1975 بحتمية وقوعها. فكسب احتراماً فكرياً لدى مثقفي لبنان والفاعلين السياسيين فيه.

أطلق هدسون من أبو ظبي تحذيراً من نتائج اتفاق /17/ أيار. قرأت تصريحه في وسائل الإعلام. سطرت مذكرة إلى الرئيس حافظ الأسد مقترحاً دعوته سريعاً لزيارة دمشق في طريق عودته من أبو ظبي إلى واشنطن حيث يدير مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون.

لم أبلغ بأي قرار رئاسي بشأن الاقتراح. ولم أسأل. كثيراً ما لا يستساغ السؤال أو الجواب. واقتراحاتي في كل حال كثيرة. يزيد من تناسلها أني لم أكلف بمهمة تنفيذها إن أقرت أو بأية مهمة تنفيذية أخرى.

رن جرس هاتف المكتب. المتحدث: مايكل هدسون. الزمان: أواخر عام 1983 أو أوائل عام 1984. كل التواريخ الواردة في هذه المقالة موجودة عندي يستطاع الرجوع إليها لدى الحاجة. إلا أن البحث عنها دون حاجة حقيقية إهدار للوقت.

يشكو مايكل هدسون حاله إلي. هو في الفندق، فندق الشام، كما أظن. زاره في مكتبه بواشنطن الدكتور جويجاتي، سفير سورية في واشنطن. سلمه دعوة الخارجية له لزيارة سورية رغم أنه لم يطلب الزيارة. لبى الدعوة. أتى. حل في الفندق حيث حجز له. أعلم الخارجية بوصوله. يقيم في الفندق منذ أيام إلا أن أحداً لم يسأل عنه. كأن الخارجية دعته ونسيت. ما العمل؟

أتاني إلى المكتب. كرر الشرح. لم يعرف سبب الدعوة. تذكرت أني قد أكون السبب، لكنني استحسنت عدم إعلامه. اكتفيت بالاتصال بالأستاذ فاروق الشرع. وهو آنذاك وزير الدولة للشؤون الخارجية. فسألته استقبال الزائر. فعل. عاد إلي هدسون مباشرة بعد لقائه الوزير.

تجاور الوزارة القصر. حدثني عن انطباعه. أعجب بالشرع. ثم مارس التحليل السياسي معتمداً على غلطة بطاطو. الشرع وزير دولة للشؤون الخارجية، وليس وزير خارجية، لأن خدام صهر قديم لزعيم المتاورة!

شاهدي في هذه الحكاية حي يرزق، وقد يتقدم للشهادة والله أعلم.

واستمر تأثير غلطة بطاطو. في منتصف التسعينات وقعت على كتاب تعريفي بسورية يوزع على سفارات أمريكا ويباع للقراء كافة. في الكتاب الحديث البطاطوي ذاته عن زوجة الأستاذ عبد الحليم خدام الأولى ويعرف كل الناس في سورية بأن ليس لخدام إلا زوجة واحدة.

(5)

أيقظ فيَّ كل ركام الذكريات السابق مقال قديم لجهاد الخازن في زاوية صحفية يومية تحدث بها عن عدة كتب. لا أنكر أن حكاية غلطة البحاثة الذي لا يغلط كانت تلح عليَّ لأدونها في كل مرة أرى فيها صورة سورية والعرب مخالفة لما أرى من صورة سورية والعرب. إلا أن مقالة الخازن كسرت قشرة البيضة فكانت هذه المقالة.

ثم إنني وقد عرفت من الخازن، متأخراً جداً، أي أوائل عام 2014، أن كتاب بطاطو عن سورية قد صدر قبل خمسة عشر عاماً، أخذ اهتمامي بالغلطة منحى جديداً. قد أطلب الكتاب من الناشر الأمريكي لأرى إن كان البحاثة الكبير قد أشار في كتابه إلى غلطته، وتبرأ من كل مقالته، على النحو الذي فعله في مفتتح مكالمته الهاتفية الثانية لي. لأرى أيضاً إن ذكر اسم صاحب المعلومة التي شوهت - في نظري - صورة بحاثة جاد.

ثم: يقال إن الأستاذ خدام أصدر كتاباً أو كتباً عن أفكاره وذكرياته. أتساءل: هل عرف الأستاذ خدام بتلك الحكاية المضحكة التي كتبت بقلم بحاثة ثقة له مريدوه الكثر.

(6)

"كيف نكتب التاريخ؟". كان ذلك هو العنوان الذي اخترته أول ما فكرت بكتابة هذه المقالة. عدّلت العنوان حتى استوى على نحو ما يظهر في بداية هذه الأسطر. لكنني، لدى توقفي مع العنوان الأول، وضعت له جواباً. حذفت السؤال لكنني لا أحب أن أحذف الجواب.

أنظر إلى سنوات ثلاث من الأحداث الأليمة. أقول: نكتب التاريخ بروح سلام وطني ذكي عالم عارف، لا بسلام وطني قمة بلاغته تبادل القبل وجهل او تجاهل احداث الماضي.
 

6/1/2014

 

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

الكلمة الاخيرة قبل الاغتيال



الساعة الثامنة والنصف صباح الاثنين 23 ايلول  2013

الكل يحذر ويبالغ في التحذير. أنت مستهدف. انتبه. لا تتحرك. لا تصرخ. لا تعبر عن رأي. لا تتنقل. قد يستهدفك الحكم لكي يثبت أن المسيحيين مستهدفون. بالطبع سوف يتهم المعارضة باغتيالك. قد يستهدفك مسلحو المعارضة، فأنت من أركان الحكم!

وماذا إن اغتيل من بلغ الخامسة والسبعين؟ إن كان فيه خير لنفسه ولمجتمعه، فقد كان لديه الوقت الكافي ليظهره. الاغتيال عملية سهلة تنقذ الشخص من أمراض الشيخوخة القادمة.

منذ تشرين الثاني 2012 لم أت إلى صافيتا. يقولون: الطريق غير آمن. حين توجهت إلى البولمان  تمثلت بقول المتنبي:
وانى شئت يا طرقي فكوني  ا نجاة او أداة أو هلاكاً

إلا أن الرحلة مضت بهدوء قاتل. ما أدهشني في صافيتا أن الكل يسأل: ما حال الطرقات؟ هل شاهدت حوادث في الطريق؟ لا يود أحد أن يصدق أن كل شئ على ما يرام!

الكل يحذر. أكتب هذه الكلمات قبل السفر عائداً إلى دمشق. سيقولون: هذا آخر ما كتب قبل أن يستشهد!

                                                                           جورج جبور

الخميس، 15 أغسطس 2013

الإشكال بين الأخوة في الدين وبين المساواة في المواطنة



مائة عام على معهد الحقوق العثماني فالعربي فكلية حقوق جامعة دمشق:
 1913 – 2013
فضيلة الشيخ علي الطنطاوي وأستاذه العلامة فارس الخوري:
الإشكال بين الأخوة في الدين وبين المساواة في المواطنة

                    الدكتور جورج جبور
                                                   رئيس الرابطة السورية للأمم المتحدة
                                                     وسابقاً أستاذ محاضر في الدراسات العليا
                      بكلية حقوق جامعة حلب

(1)
في 6/10/2013 تَبَلَّغَت بيروت فرماناً سلطانياً ينقل إليها معهد الحقوق العثماني الذي كانت تحتضنه سالونيك. في وقت لاحق أصبح المعهد العثماني عربياً. انتقل إلى دمشق بعد الحرب العالمية الأولى، وفتح أبوابه للتدريس في 15/9/1919 تحت اسم جديد: معهد الحقوق العربي، ثم في 15/6/1923 أنشئت الجامعة السورية، وفي وقت لاحق أصبح المعهد كلية الحقوق في الجامعة السورية التي أعيدت تسميتها أيام الوحدة فأصبحت جامعة دمشق.

بين المؤتمر العربي الأول في باريس (18/6/1913) الذي عقد في قاعة الجمعية الجغرافية، وبين إنشاء معهد للحقوق في بيروت صلة نسب. يعود الفضل في نقل معهد الحقوق العثماني من سالونيك إلى مطالبات ملحة قام بها أبناء بلاد الشام لإنشاء معاهد عليا في بلادهم. تجذرت هذه المطالبات في المؤتمر العربي الأول. وهكذا لا نجد مؤرخاً لمعهد الحقوق في بيروت يغفل أثر المؤتمر في إنشائه.

على أساس هذه الخلفية عزمت على إلقاء محاضرة في دمشق يوم 18/6/2013، في ذات اليوم الذي فيه انعقد المؤتمر قبل مائة عام، تحت عنوان: "دراسة الحقوق وتدريسها: ذكريات وتأملات". ثم كانت ظروف سفر اضطرتني إلى التأجيل.

وكبديل عن الكلام أخط الآن هذه الأسطر،لأسجل عبرها بعض ما كنت أعتزم الحديث فيه. وقد تكون لي عودة إلى مزيد من الكلام المسطور في مقال لاحق. 

(2)
منا  من يجتهد فيدون مذكراته ، ومن  يفعل يحظى بشكر اللاحقين. من هذه القلة المجتهدة فضيلة الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله. ابن دمشق هو. وكتب عنها الكثير المفيد. غادرها وأقام في السعودية حيث أتاحت له الظروف إمداد عاشقي أسلوبه بإنتاج غزير.

كان له في دمشق حديث أسبوعي في إذاعتها أتابعه كما أتابع مقالاته في الصحف الدمشقية. يأسرني أسلوبه. لا أملك قطع الاستماع إليه أو وقف قراءة مقالاته. ثم كانت لي زيارة إلى السعودية. تجاور سوريان في الطائرة فتعارفا وتحادثا، وشاءت الصدف أن يكون الشيخ الطنطاوي أحد محاور الحديث. تبرّع السوري المقيم في السعودية بإهدائي نسخة عن مذكرات الشيخ. استهوتني. وهذه الأسطر تعتمد على جزئها الثاني علماً أنها تقع في ثمانية أجزاء يقارب مجموع صفحاتها الثلاثة آلاف، وقد طبعت عام 1985. وكانت قد ظهرت على حلقات في جريدة الشرق الأوسط.

أقف عند مذكرات الشيخ عن كلية الحقوق التي قبل بها طالباً في 4/11/1930. ثمة حلقة عنوانها: "ذكريات عن الأساتذة والمشايخ" (163 - 173)، وأخرى عن "ذكريات عن الجامعة والامتحانات" (175 - 183)، وثالثة عن "فارس الخوري" (185 - 195).

مفيدة هذه الفصول لكلية حقوق جامعة دمشق التي أعلن عميدها، صديقنا الدكتور محمد واصل، عبر مقابلة في جريدة الثورة (16/7/2013) بأن احتفالاً سيقام بمناسبة مائة سنة على ولادة الكلية.

وقف الشيخ الطنطاوي عند بعض أساتذته. عرّفنا بعالم منهم مفتي الشام  هو الشيخ الدكتور أبو اليسر عابدين، سليل مؤلف "حاشية ابن عابدين" الشهيرة. "كان أستاذاً في كلية الحقوق، فخطر له أن يدرس الطب، ودراسة الطب لا تتم إلا بمعرفة اللغة الفرنسية، فتعلمها وصار طالباً نظامياً في الطب وهو أستاذ يدرس في الحقوق حتى حاز شهادة دكتور في الطب سنة 1926".. "ترك ثلاثين مؤلفاً فكرياً بخطه رأيتها وكتبت عنها في جريدة الأيام الدمشقية في 18/5/1961. ما طبع منها إلا واحداً هو كتاب "أغاليط المؤرخين" (ص169)". ومن أساتذته سعيد محاسني "وهو أقدر محامٍ عرفته الشام ومصر في الدعاوى المدنية" (ص169).... وكان أستاذ مجلة الأحكام العدلية التي صدرت عام 1286 هجرية" (1869م). يصف الطنطاوي درس المحاسني بأنه كان "فياضاً بالفوائد، لاسيما حين يحدث الطلاب عن بعض ما مرّ به من قضايا والتي كان يرافع فيها. وكان إلى علمه الواسع ذكياً من أذكى من عرفته من الرجال...." (ص170).

ويتابع الطنطاوي بأسلوبه السلس حديثه عن أساتذته فيذكر ان  منهم "من كان قائماً بعمله ناجحاً فيه. لا هو بالعالم الظاهر علمه، ولا هو بالجاهل المكشوف جهله. منهم الأستاذ شاكر الحنبلي.... لما أصدر كتاب أصول الفقه وأهداه إلي وجدته يعرض فيه كتاب  المنار عرضاً مفهوماً بأسلوب العصر، لكن ساءني منه أنه سرق من كتاب الشيخ عبد الوهاب خلاف صفحات وصفحات، نقلها كما هي ولم يشر إلى مصدرها. ولم يمنعني كونه أستاذي أن أشير إلى هذه السرقات لما كتبت - كما طلب مني - نقداً للكتاب" (ص170 - 171).

ويتابع الطنطاوي حديثه عن أساتذته فيصف بعضهم بأنه "أقرب إلى الضعف" ولا يسمي أحداً. وينتقل بعدها إلى حديث إعجاب بأستاذ فرنسي اسمه ستيف، وبآخر ذكي كسول هو فايز الخوري. ثم يعود إلى تقييم سلبي للبعض من أساتذته ولا يسمي أحداً (171 - 172). شاكر الحنبلي هو الوحيد الذي قرن الطنطاوي ذكره بصفة سلبية هي سرقته. ولعله فعل ذلك لأنه سبق له أن أشار إلى تلك السرقة في مقال منشور، على حد ما ورد آنفاً. 

(3)
أما أول من يذكر من الأساتذة، قبل كل من وردت أسماؤهم أعلاه، فكان فارس الخوري. به يبتدئ الحديث عن أساتذته كما يلي: "كان الأساتذة طبقات . منهم واحد سأفرد للكلام عنه حلقة هو العالم الشاعر الفحل الخطيب البارع في العربية وفي الإنجليزية رئيس مجلس النواب مرات ورئيس الوزراء وكان رئيس مجلس الأمن مرة، وهو أحد عباقرة العرب في هذا العصر، وأسأل الله أن يكون حقاً ما كتبه عنه من كان ملازمه في مرضه وحاضراً في وفاته من أنه مات  مسلماً وهو فارس بك الخوري" (ص166).

وأفرد الشيخ الطنطاوي حلقة عن فارس الخوري بـ/11/ صفحة ابتدأها كما يلي: "كان أستاذي. استفدت منه. وقدرت فضله. ومدحته. لكن كان آخر مسلم في آخر الأرض أقرب إلي منه!" (التأكيد مضاف).

"هذا الكلام لم أقله الآن. لكن صدعت به على المنبر قبل ثلاثين سنة. فاستأذنني الأستاذ أحمد عسه (وكان يوماً تلميذي) أن ينشره في جريدته فنشرته الجريدة بالخط الكبير (المانشيت) وبالقلم العريض. وكانت إحدى مرات ثلاث ثارت جرائد دمشق كلها عليّ وتبارت في ذمي وشتمي وجرب كل ذي قلم قلمه فيَّ. أما ذنبي الذي لا يغتفر فهو أني (كفرت) بدين الوطنية ودعوت إلى الطائفية وفرقت بين المواطنين بسبب من اختلاف الدين وهم ينشدون كل صباح:
 بلاد العرب أوطاني             من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن                إلى مصر فتطوان
فلا دين يفرقنا............

لا يفرقنا الدين! أي أنهم يريدون أن يجعلوا الكافرين كالمسلمين، وأن ندعو بدعوة الجاهليين، ندع كلام رب العالمين "إنما المؤمنون إخوة" وننكر أضواء الإيمان ونتمسك برابطة اللسان فيكون أبو لهب وأبو جهل أقرب إلينا من بلال وسلمان... كلا ولا كرامة! قلتها في أول حياتي وأقولها الآن".. (ص185).

ويصف الشيخ حملة الصحف عليه في أسطر ليتابع عن فارس الخوري كما يلي: "أما الذي تكلمت عنه هذا الكلام، فأثار علي أصحاب الأقلام من المسلمين، فرموني بكل جارحة من التهم، وكل قارص من القول ،وهو أستاذنا فارس الخوري،  فقد قابلته في الطريق، فحاولت أن أقول له شيئاً فسبقني فقال لي (بالحرف الواحد):
"لا عليك. لقد  جهرتَ بحكم دينك وهذا ما أكبره فيك ، وجعلتني أقرب  النصارى إليكم وهذا ما أشكرك عليه" (186).

(4)
لا أذكر بالضبط متى عهدت إلي كلية حقوق جامعة حلب بتدريس مقرر "المذاهب السياسية" في قسم الدراسات العليا حين أنشئ ذلك القسم. كان مقرراً اختياريا لطلاب دبلوم القانون العام ودبلوم القانون الدولي. كنت درست المقرر ذاته في كلية حقوق جامعة دمشق على الأستاذ الدكتور الوزير مصطفى البارودي في النصف الثاني من الخمسينات. كان كتابه الفرد والدولة واحداً من أكثر الكتب إثارة للنقاش في قاعات التدريس وخارجها.

تأملت في كيف أهندس الجلسة الأولى مع الطلبة وعددهم يقارب العشرين ممن يعتبرون الأكثر تفوقاً بين زملائهم من خريجي الكلية. ثم استقر رأيي على مفاجأة. صورت على عددهم نسخاً من أولى صفحتي حلقة الشيخ عن الاستاذ الخوري– وهي التي اوردتها سابقا- . وزعتها عليهم. عرفتهم باسمي. عرفتهم بعنوان المقرر. طلبت منهم أن يتمعنوا في النص . طلبت منهم أن يعلّقوا عليه في  مدة لا تتجاوز العشرين دقيقة. حين جمعت ما كتبوا فوجئت. بعضهم لم يكتب شيئاً. معظمهم  أّيَّد ما قاله الشيخ . واحد منهم فقط اعترض وانتقد بحدة. سألته أن يقرأ أمام زملائه ما كتب. وكانت مناقشة معمقة حول  الاشكال بين الاخوة في الدين وبين المساواة في المواطنة،  وحول كيفية  المصالحة بين الامرين .

ما أزال أذكر بغبطة  تلك البداية العرمرمية لمقرر المذاهب السياسية، ويذكرها معي  بعض طلابي . وما أزال أتساءل: هل كان لأمورنا أن تنحدر إلى ما انحدرت إليه من مآسٍ لو أن جامعاتنا - وليس كليات الحقوق فقط - شجّعت النقاش في موضوع إشكال العلاقة بين الأخوة والمواطنة، وفي المواضيع الأخرى ذات الصلة بالشأن العام التي نناقشها الآن بشعارات في الشوارع؟

(5)
في أوائل الشهر العاشر من عام 1913، قبل مائة سنة، كان لنا معهد للحقوق في بيروت. تفصلنا عن المناسبة عدة أسابيع. قد تكون لي عودة إلى ذكريات دراسة الحقوق وتدريسها في مقال مقبل. عودة أتحدث بها عن أمر مجهول ينبغي أن تفاخر به كلية حقوق جامعة دمشق كل كليات الحقوق العربية. جوهر هذا الأمر المجهول سورياً وعربياً وعالمياً أن الخوري الذي كان أستاذاً للشيخ اقترن اسمه بمادة في ميثاق الأمم المتحدة هي المادة /78/ التي كانت تعرف في أروقة مؤتمر سان فرانسيسكو بأنها مادة سورية. في الحديث عن مآثر سورية محاولة لصيانة دماء أبنائها  ولتحصين وحدتيها الوطنية والترابية.