الخميس، 14 يناير 2016

حديث عن المواطنة، مع تركيز على المواطنة السورية في جوهرها وممارستها

كلمة في افتتاح ندوة عن المواطنة السورية: جوهرها وممارستها، دعت اليها الرابطة السورية للامم المتحدة. المركز الثقافي العربي، ابو رمانه، 14-1 – 2016، الساعة 12 ظهرا.

 
حديث عن المواطنة، مع تركيز على المواطنة السورية في جوهرها وممارستها
 

أولا: مسلمتان: المواطنة موضوع متحرك باستمرار، والمواطنة السورية هي الأرسخ عربيا:

يستأثر موضوع المواطنة بمزيد من الاهتمام العالمي، ولاسيما في الدول التي تشهد حراكا سياسيا سلميا و| أو عنفيا، وفي الطليعة من هذه الدول وطننا السوري الحبيب. ويأتي عقد الرابطة لهذه الندوة ضمن إطار انشغال وطني سوري جاد من اجل انهاء الوضع المؤلم الذي نعيشه منذ سنوات خمس. وأصرح منذ البداية انني متفائل اليوم أكثر من اي وقت مضى بإمكان بلوغ حل يصنعه السوريون بتشجيع دولي. وبالطبع سيكون لتوضيح مفهوم المواطنة السورية دور محوري في بلوغ الحل.

توضيح مفهوم المواطنة السورية لا يعني الوقوف عند لفظ بعينه او فكرة بعينها. فالمواطنة موضوع متحرك باستمرار، عندنا وعند غيرنا. يقال علينا العناية بالمصطلحات وبالتعريفات. لا أحد يعترض على نبل القول وما وراءه من عاطفة وفكر. الا ان الركون الى مصطلح والقطع بتعريف يتنافى مع الطبيعة الحركية اليومية للمواطنة. ليس ثمة في العلوم الاجتماعية ركون وقطع. ثمة مقاربة، وثمة في المقاربة عين على الجدوى العملية. غائية العلوم الاجتماعية امر يدركه حتى أكثر اختصاصيي تلك العلوم حماسة لعلميتها الحيادية.

منذ بضعة اسابيع اثار دونالد ترامب، المتنافس ضمن الحزب الجمهوري الفوز بترشيح حزبه له للرئاسة، أثار ضجة كبرى لأنه طالب بمنع المسلمين من دخول امريكا. رد على الحملة بالعودة الى ما فعله روزفلت اثر بيرل هاربور اثناء الحرب العالمية الثانية حين احتجز مائة الف مواطن امريكي من اصل ياباني بانهم قد يكونون طابورا خامسا. اما الرئيس ساركوزي فقد شغل فرنسا بموضوع تحديد الهوية الوطنية الفرنسية بقصد الحد من ممارسة مواطني فرنسا المسلمين بعضا مما يعتبرونه اساسيا في شؤونهم. لم تصل المناقشة في هوية فرنسا الوطنية الى نتيجة فكرية. اما نتيجتها السياسية فكانت فشل ساركوزي في الفوز بولاية رئاسية ثانية. ولنلاحظ ان فرنسا تعتبر ان الديموقراطية هي التمسك بقيم الجمهورية. الا أن من المتعارف عليه ان المملكة المتحدة دولة ديموقراطية وقد تتفوق في ديموقراطيتها، عند البعض، على الديموقراطية الفرنسية، الا ان قيمها ليست جمهورية.

المسلمة الاولى التي اود التأكيد عليها هنا هي انه لا نهاية للنقاش في موضوع المواطنة، وتنبثق عن هذه المسلمة الاساسية مسلمة مشتقة منها مؤداها ان النقاش المستمر في موضوع المواطنة سبيل لصقل جوهر ها ونحسين ممارستها.

المسلمة الثانية اجتهاد شخصي رسخ مما تجمع لدي من علم عن الدول العربية وخبرة في امورها. مؤدى هذه المسلمة ان المواطنة السورية في الجوهر والممارسة ارسخ مما عليه حال المواطنة في الدول العربية الاخرى. لا يصلح، في علم الوحدة العربية، المباهاة بتقدم قطر على قطر عربي آخر. في الافتخار بالذات تكمن احيانا – وليس دائما -- نية عدم الايمان بالوحدة العربية. ولن اغوص في موضوع الوحدة ونحن مهددون بمزيد من التجزئة. أكتفي بالقول، تبرئة للذمة، انني منذ عام 1971 اخاطب السلطة السياسية الاعلى في سورية، ومن موقع المسؤولية، بضرورة انشاء مؤسسة لدراسات الوحدة العربية. وما تزال الاستجابة مطلوبة ومفيدة. ثم ان ما اقوله الآن موثق في كتب لي اصدرتها وزارة الثقافة السورية ومؤسسات سورية رسمية اخرى. وبالطبع ينبغي علينا ان نتساءل هنا: هل طورت المؤسسات البحثية العربية معايير لقياس درجات التقدم في المواطنة وفي غيرها من المفاهيم؟ نعم، ولكن ببطء وربما ايضا بأهواء. ويطول الحديث في هذا الامر. ما أحب ان ادعم به مسلمتي -- وهي مسلمتكم جميعا كما اقدر -- في ان المواطنة السورية، في الجوهر والممارسة، هي الارسخ عربيا يعتمد على بضعة ركائز. الركيزة الاولى اننا الدولة العربية الاقرب الى العلمانية. لم يعرف مشروع دستور المؤتمر السوري نصا على دين للدولة، ولم يتضمن اي من دساتيرنا المتعاقبة نصا على دين للدولة. كما ان ثقافتنا السياسية والاجتماعية ترفض، في الغالب، تقييم الناس او تصنيفهم بمعيار الدين او القبيلة او العشيرة او العائلة، اي بمعيار موروث. كذلك يمتاز نظامنا التربوي بتبنيه الكبير لمبدأ تكافؤ الفرص، فهو مجاني ليس من عهد البعث بل قبل ذلك. ويمارس مواطنونا عادة الذهاب الى صناديق الاقتراع رجالا ونساء دون تمييز، ولا يعني هذا مني، في كل حال، اعجابا كبيرا بعملياتنا الانتخابية. ومؤخرا، وان يكن في ظل الاحداث المؤلمة، وجدت المواطنة لنفسها موضعين في دستور 2012. ففي مقدمته اتت ضمن قائمة مطولة من المبادئ الاساسية كان منها " الحريات العامة وحقوق الانسان" وكان منها ايضا " المواطنة وسيادة القانون". ثم ان المواطنة استأثرت منفردة بالفقرة الثانية من المادة 33 من الدستور، وهذا نصها: " المواطنة مبدأ أساسي ينطوي على حقوق وواجبات يتمتع بها كل مواطن ويمارسها وفق القانون". واذ اتحدث عن الدستور الجديد فلا بد لي من التعريج على نقطتين. الاولى: أسجل للدستور الجديد فتحا في انه اعاد الى تعبير " حقوق الانسان" اعتباره فلم يعد ذا وصف واحد وحيد وهو انه مؤامرة استعمارية. هو يخضع لابتزاز يمارسه بعض الكبار ولكنه في جوهره تطلع انساني كنا روادا فيه، بدءا بشريعة حمورابي وليس انتهاء بانشائنا اول هيئة لتنظيم الدفاع عن حقوق الانسان الا وهي حلف الفضول الجاهلي المبارك نبويا. ونعلم بالطبع ان لدينا الآن في مجلس الشعب لجنة دائمة اسمها " لجنة الحريات العامة وحقوق الانسان" وبغرض ترسيخ علمنا بالمواطنة علي التذكير ان الحزبيين البعثيين في مجلس الشعب (2003- 2007) كانوا قد وافقوا في اجتماع حزبي يوم 28 شباط 2005 على اقتراح بإنشاء لجنة دائمة في المجلس للحريات والحقوق. ذهب الاقتراح الى القيادة القطرية ومات. باسم الحق في المعلومة اطلب من القيادة القطرية ايضاح اسلوب معالجتها الاقتراح حتى انتهى الى موته. بل واضع هذا الامر على جدول اعمال اللجنة الحالية للحريات العامة وحقوق الانسان. اما النقطة الثانية فهي أننا، وبعد ما يقرب من أربع سنوات من اقرار الدستور الجديد، ما نزال نفتقد الاعمال التحضيرية له. أعلن أحد الوزراء ذات يوم، في ندوة عامة، وكان عضوا في لجنة وضع الدستور، ان هذه الاعمال سوف تنشر قريبا. من مظاهر الامانة لمبدأ المواطنة اتعاب المسؤولين في متابعتنا تنفيذهم وعودهم. تحدثت في أسطر عن جوهر المواطنة السورية، ثم لعلي بما مارست من حرية الاستطراد اوضحت شيئا من اسلوب الممارسة. لكن ما تم من استطراد لا يشفي غليلي. لدي ما هو أكثر مما قلت. وأرحب بكل دعوة تردني من جهة رسمية لأقول ما تفرض علي مواطنيتي السورية قوله، ارثا لأولادنا من معايش للشأن العام، تجاوز بعامين ثلاثة ارباع القرن، فلم يعد منافسا فيه.


ثانيا: ثلاث خواطر:      

ليست المسلمات كالخواطر. في الخواطر اثارة ومغامرة. ولكي تتحول الخاطرة الى مسلمة تتطلب قدرا من التدقيق والتحقيق. المسلمة وجبة كاملة، اما الخاطرة ففاتحة للشهية.

1-      من صلح وستفاليا الى وعد بلفور فالدولة الاسلامية: من الشائع اعتبار صلح وستفاليا بداية الامة – الدولة. الولاء منحصر في الولاء للدولة التي هي وعاء كل رعاياها، رعايا يتطورون إلى مواطنين بغض النظر عن المذاهب – وهي هنا المذاهب المسيحية -- . ثم جاءت الثورة الفرنسية ومن اهم ما فيها انها ساوت اليهود والبروتستنات بالفرنسيين الكاثوليك، وادخلت مصطلح المواطنة في التداول الفلسفي والسياسي. ثم اتى وعد بلفور فكان فيه شعب يهودي عابر للقارات اعطي له معا ان تكون له دولة على ارض محددة ورعايا- مواطنون في مختلف بلدان العالم . انتهك وعد بلفور صلح وستفاليا اي التراث المتعارف عليه في الحقوق الدستورية والقانون الدولي. هيأ الوعد ارضية فكرية للدولة الاسلامية بأطيافها المختلفة. وها ان ظلالا من اسلامات ليست مسلمة تهدد العالم. تقترب مئوية وعد بلفور. علينا اثارة ما عناه الوعد من خلق امم دينية عابرة للدول والقارات. أكبر مناهض لوعد بلفور كان وزيرا يهوديا في مجلس الوزراء الذي أصدر الوعد. طالب بالا يجرد من مواطنيته البريطانية، ليعود يهوديا مكتوبا له ان يصبح من رعايا دولة دينية. قال ان ما تحاوله الحكومة من خلال الوعد انما هو" تصنيع شعب لا يوجد". نشرت النصوص الكاملة لمذكرات الوزير اليهودي الرسمية عام 1967، بمناسبة انقضاء خمسين عاما على كتابتها. أسأل لجنة رسمية-شعبية لم تشكل بعد، وآمل تشكيلها قريبا في دمشق رغم جروحاتها وكدليل على تعافيها، أسأل هذه اللجنة ان تعمل منذ الغد على اعادة نشر هذه المذكرات على نطاق عالمي واسع.

2-      تنص بعض عقود الزواج المدني التي تجري بين مسيحيين ويهود على كيفية لاهتمام بالأعياد. عيدا المسيحيين مصدر غيظ عظيم لليهود، ولاسيما منهما عيد الفصح الذي هو العيد الكبير. بعض العقود – كما قرأت ذات يوم—تلغي الاعياد الدينية من جدول الايام المحتفى بها صيانة للسلم بين الزوج والزوجة. تلازمني منذ فترة طويلة فكرة توسيع نطاق المشترك المواطني على حساب المفرق المواطني. هل من الممكن فعل ذلك دون التعرض لتهمة او مظنة التهاون في شأن الدين؟ تجارب العالم في هذا المجال غنية، وتبقى، مع ذلك، مثيرة للنقاش الحاد اليومي. ما موقعنا في سورية ومواطنتها من هذا الامر. ذات يوم سمعت من احد وزراء التربية القدامى انه كان من تقاليد وزارة التربية الا تبتدئ الامتحانات العامة ايام السبت او الاحد. ذات يوم طرق علي باب المنزل دون موعد وزير جديد فني ممتاز في وزارة شكلت في السبعينات. سألني واجبته وغادر وكل ذلك في دقيقة واحدة. قال: ادعو الى اجتماع في الساعة الحادية عشرة فيتغيب ثلثا المدعوين فما العمل؟ اسألكم هنا ولنتباحث: هل يمكن ان نضع خطة متوافقة مع الدين يكون بها منا الواحد مواطنا متساويا مع غيره من المواطنين، بنسبة غالبة، في معظم ساعات الليل والنهار؟ من غير الواقعي حذف خصوصية كل فرد، الا ان من الواقعي، بل من الواجب، توسيع مساحة المواطنة. أدعو الى نقاش مستنير في هذا الامر. ولنتذكر ان فرنسا، دولة فلسفة المواطنة الاولى، حظرت منذ سنوات البروز السافر للانتماء الديني، ضمن الفضاء العام، في مظهر الشخص الخارجي. ونعرف ان تطبيق ذلك الحظر – حرفيا -- تشوبه معوقات كبرى، لكنه نوع من التذكير بالحرص على قيم مشتركة. ثم فلنتذكر دائما ان فهمنا للدين متطور. كان الطفل الكاثوليكي "لا يخلص" إذا انتقل الى رحمة الله قبل العمادة. منذ عشرين عاما تقريبا تغير الاجتهاد. غدا يخلص. أفتى الازهر قبل بضعة عقود بحرمة ممارسة الانثى حق التصويت. غدت منتخبة (بفتح الخاء) في المملكة الوهابية. الشريعة مصدر التشريع، وأحيانا المصدر الاساسي أو الرئيسي، وأحيانا الوحيد، إلا ان الدول الاسلامية التي ما تزال تمارس ايقاع العقاب البدني بالبتر نادرة، وتعتبر شاذة عما يشبه الاجماع العام. يقال، او اقول، في امتداح الحكيم: انه عاقل، يطور الفكرة الصائبة، ليس الى اقصاها، بل الى مداها المعقول.

3-      قرأت في البعث يوم الخميس 7 – 1 – 2016 اعلانا عن مسابقة تجريها وزارة الخارجية السورية لاختيار دبلوماسيين، المادة الثالثة من المواد التي سيتم بها الامتحان " التاريخ الحديث لسورية والتطورات السياسية الراهنة في المنطقة والعالم". في مذكرة رسمية مني الى رئيس مجلس الوزراء، بتاريخ 2 – 12 – 1992 قلت ان سورية هي الغائب الاكبر في مسابقة الخارجية. المادة الثالثة ي المسابقة الجديدة كان نصها " التاريخ السياسي الحديث". لم ترد كلمة سورية. هل اخذت الخارجية بوجهة نظري اعتمادا على مذكرتي؟ اعتمادا على اجتهاد مواز من غيري؟ هل انتبهت خارجيتنا الى سورية في مسابقاتها قبل المسابقة التي ستجري قريبا؟ لا أدري، لكن حسنا فعلت اذ اهتمت بالتاريخ الحديث لسورية. ما علاقة ما سبق بموضوع ندوتنا وهو المواطنة؟ خاطرتي الثالثة خطيرة ومباشرة. غيبنا سورية في اهتماماتنا الثقافية والسياسية، تفاقم جهلنا بأحوالنا عن طريق العلم. تركز علمنا بأحوالنا عن طريق لا بد منه وهو الامن. استبعدنا كل طريق آخر في فقهنا احوالنا. فوجئنا بما جرى. تحدث بجرأة الرئيس بشار الاسد عن فشل اخلاقي وعن فشل في مواكبة تطورات التكنولوجيا. اهتممنا – مثلا -- بإحداث موسوعة عربية ننافس بها العراق، ولم نأخذ باقتراح وصل الى سلطاتنا العليا بأفضلية استخدام قدراتنا بان تكون لنا موسوعة عن دولتنا السورية. اغفلنا تاريخ سورية المعاصر. اغفلنا النظر الى تطورات المجتمع السوري. اغفلنا النظر الى جغرافية دولتنا. صارت معلوماتنا عن سورية تأتي الينا من الخارج. خط الكتاب الاول عن القائد المؤسس قلم بريطاني. وها نحن في الاسبوع الثاني من العام الجديد ولم نعلن بعد عن احداث هيئة تعنى بالاهتمام بسبعين عاما من الجلاء. الجلاء مدرسة المواطنة السورية الاولى وتبقى الاهم. اختم كلمتي اليوم اذن بما سيحدث نتيجة ما قلت، متحالفا مع المستقبل القريب: فلنعلن اهتمامنا منذ اليوم بذكرى الجلاء من اجل تغذية جوهر المواطنة السورية، ولكي نكتب جلاء الارهاب عن الديار بعزيمة حماة الديار، عليهم وعليكم السلام.

الأربعاء، 23 ديسمبر 2015

دعوة الى الرفقاء السوريين القوميين الاجتماعيين لكي يعلنوا وحدتهم

دمشق، صاح الثلاثاء 23 كانون الاول 2015

بمناسبة مئوية اتفاقية سايكس بيكو التقسيمية: 16 – 5 – 2016

الدكتور جورج جبور
عضو سابق في مجلس الشعب السوري   

في الساحة السياسية السورية اللبنانية، او الساحة الشامية اللبنانية، حسب التعبير السوري القومي الاجتماعي الرسمي، ثلاثة احزاب لها الاسم نفسه ولها العقيدة نفسها. لكل منها لقب يميزها عن غيرها. احدها المركز، ولعله الاكثر حضورا. ورئيسه الاستاذ اسعد حردان. ثانيها حزب الشام -- واللقب من عندياتي -- وهو الحزب المرخص وفقا لقانون الاحزاب السوري، ورئيسه الاستاذ عصام المحايري. اما الحزب الثالث -- ولقبه كما اعلم: جناح عبد المسيح -- فرئيسه الدكتور علي حيدر، وزير المصالحة الوطنية في الوزارة السورية الحالية، بل هو اول وزير سوري يتمتع باللقب الجميل: وزير المصالحة الوطنية.

ليس بين الاحزاب الثلاثة معركة حامية او تنافس معلن. الا ان انقسام حاملي الفكرة السياسية الواحدة الى تفرعات ثلاثة يحد من القدرة على خدمة الفكرة. بل ان هذا الانقسام في تنظيمات تعلن انها تعمل من اجل هدف واحد هو وحدة بلاد الشام، او وحدة بلاد الشام والعراق، يلقي ظلالا من الشك على النية التوحيدية --- او القدرة التوحيدية -- لكل من هذه التنظيمات او على الاقل لاحدها او لاثنين منها.

مناسبة الكلام عن توحيد الرفقاء السوريين القوميين الاجتماعيين، كلام يطلقه بعثي مؤمن بالوحدة والحرية والاشتراكية، مناسبته الآنية في اواخر عام 2015، اننا نطل على الارجح، في الدولة السورية، على مرحلة جديدة بصدور القرار 2254. أما مناسبته الاعمق فهو اننا نقترب لأول مرة في تاريخنا المعاصر من مئوية تقسيم بلاد الشام، حسب اتفاقية سايكس-بيكو في 16 – 5 – 1916، وهي الاتفاقية التي مهدت لوعد بلفور في 2 – 11 – 1917. ولعل بعض قراء هذه الجريدة -- البناء -- ، جريدة المركز في الحزب السوري القومي الاجتماعي ، يتذكر كتابات لي فيها عن الوعد ، ودعواتي من خلالها للاهتمام بمئويته. كما قد يتذكر بعض اعضاء المؤتمر القومي – الاسلامي (وافضل تسمية جديدة له هي: مؤتمر الاتجاهات القومية والاسلامية) انني مكلف رسميا بتنفيذ ما اقترحته على المؤتمر عام 2006، فأقره، من ضرورة الاهتمام بمئوية الوعد الوغد.

ولا يصح الاهتمام بمئوية الوعد الا بالاهتمام بمئوية الاتفاقية. ولا يصح القول اننا نسعى لإضعاف اسس الوعد اذا لم نقم بجهد في اضعاف اسس الاتفاقية. ولا يصح القول اننا نناهض الاتفاقية إذا كنا متسامحين مع وجود ثلاثة تنظيمات للحزب الذي يفتخر، ونفتخر معه، بأنه كان الأكثر من غيره من الاحزاب والحركات السياسية العربية، ارتباطا، في ظروف نشأته التاريخية، وفي ادبيات زعيمه المؤسس، بمناهضة سايكس بيكو ووعد بلفور.

كانت تلك " لا يصحات ثلاث". اتابعها ب " يصحات " ثلاث.

يصح ان نعتبر توحيد الرفقاء السوريين القوميين الاجتماعيين اسهاما ايجابيا في المرحلة الجديدة للدولة السورية التي يطلقها القرار 2254. يزيد التوحيد من قوة الاتجاه غير الطائفي الذي نص عليه القرار مقوما من مقومات الدولة. ولنلاحظ بحذر وجدية، ان كلمتي " غير الطائفي" اللتين وردتا في القرار جاءتا لتحلا محل كلمة " علماني " في بيان فيينا التشريني.

ويصح القول بان توحيد الرفقاء في الحزب الذي تحدث زعيمه المؤسس عن اتفاقية سايكس بيكو ونتائجها التدميرية على سوريا، وعن وعد بلفور وكارثيته على المنطقة، بل الذي تميز زعيمه المؤسس بأنه الاكثر انشغالا، حقا وصدقا، من بين كل الشخصيات السورية والعربية والاسلامية، بالاتفاقية وبالوعد، يصح القول بان توحيد الرفقاء فعل وفاء للزعيم المؤسس.

اما اليصح الثالث فهو قولنا ان التوحيد سيكون ردا رمزيا رائعا على سايكس بيكو، يزيد من رمزيته ان يعلن في 16—5 – 2016.من الممكن للإعلان في ذلك التاريخ ان يحدث صدى دوليا هو خطوة لاستعادة الحق المغيب.
اسباب الانقسام؟ آليات التوحيد؟ تلك امور من اهتماماتي وليست من اختصاصاتي. أسأل الرفقاء: المحايري وحردان وحيدر، واوردت اسماءهم بترتيب التقدم في الرفاقية على حد ما أقدر، ممارسة اختصاصاتهم في التوحيد. أنتظر. ولهم التحية.

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

ندوة الرابطة السورية للأمم المتحدة بمناسبة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني يوم 29 – 11


ندوة الرابطة السورية للأمم المتحدة بمناسبة

يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني يوم 29 – 11 من كل عام

كما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1977

 الخميس 26 – 11 – 2015، المركز الثقافي العربي، ابو رمانه.

كلمة الاستاذ الدكتور جورج جبور، رئيس الرابطة، في افتتاح الندوة:

في مثل هذه الايام، قبل مائة عام، وفي خضم الحرب العالمية الاولى، بدأت محادثات بين دول وهيئات أبرزها المنظمة الصهيونية العالمية، وكانت النتيجة صدور وعد وغد حمل اسم بلفور، وزير خارجية بريطانيا آنذاك. وكان لقطرات الحبر القليلة في التصريح—الوعد ان تنتج محيطا من الدماء في منطقتنا وفي العالم، بدءا من فلسطين وليس انتهاء بباريس وباماكو. غاب القانون الدولي في معالجة الدول الكبرى لقضية فلسطين. تنكر منظرو حق الشعوب في تقرير مصائرها لما نظروا له وبشروا به. غياب القانون الدولي في التنظيم الدولي لعب دورا اساسيا في تغييب القانون في منطقتنا. حين ينحرف صاحب الشأن الكبير عن خط السير يقتدي به صاحب الشأن العادي. حين تفشل الامم المتحدة في الالتزام بالقانون، يتضاءل دور القانون في كل امة من الامم المتحدة. وفي الصعيد العالمي، تصبح الامم متحدة على البغي والعدوان، لا على العدل والاحسان.

وتاريخ قضية فلسطين في التنظيم الدولي حافل بانتهاكات للقانون الدولي بدءا من صك الانتداب. نظريا، شرع الانتداب لخير الشعب الممارس الانتداب عليه. الا ان الانتداب على فلسطين شرع لصالح شعب يستورد، وفي مناهضة للشعب الموجود على الارض. ثم ان الدافع الديني الكامن في اساس الوعد مخالف لعلمانية عصبة الامم. حاول الصك الالتفاف على الاساس الديني فاعتمد معيارا تاريخيا هو ارتباط تاريخ فلسطين باليهود. قبل عشرة عقود كان الشك ضئيلا في الرواية التوراتية عن تاريخ فلسطين. يزداد الشك في تلك الرواية على ضوء علم الآثار. على الامم المتحدة اخذ العلم بما وصل اليه العلم، ويتم ذلك عن طريق منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو). في الذكرى السبعين لتأسيسها يحسن بنا، مؤرخين اولا ومعهم المثقفون والكتاب، سؤال اليونسكو دراسة علاقة فلسطين بالفلسطينيين وباليهود. لن تنهار نتائج وعد بلفور نتيجة ايضاح الحقائق التاريخية، لكن قسما من التأييد العاطفي غير العقلي للصهيونية ولوعد بلفور ولاسرائيل سينهار.

وتبقى المقاومة الاصل. لولا الكفاح الفلسطيني المسلح المبتدئ بفاعلية متصاعدة منذ عام 1965 لما كان لقضية فلسطين ان تشغل الامم المتحدة تحت اسمها الحقيقي بدءا من عام 1970، قضية سياسية تفرض نفسها على جدول اعمال سياسيي العالم. وها هي تتقدم باقدام مواليد الانتفاضة الاولى، بل الثانية، لتصبح قضية الانسانية الاولى، قضية جنودها كل المهتمين بحقوق الانسان في العالم.

تعقد الندوة في دمشق. فنتذكر ان دمشق طردت بلفور حين زارها في نيسان من عام 1925. تعقد ندوتنا في هذا المركز. فلنتذكر انه المركز الذي شهد فعالية وصلت اصداؤها، مع اصداء غيرها من الفعاليات، الى لندن، فكان تصريح من وزير خارجية بريطنايا في 16 – 11 – 2002 يعتبر اول نيل رسمي بريطاني من شرف وعد بلفور. نعمل، فنحن قادرون. والميادين رحبة.

بعد اقل من عامين تأتينا مئوية الوعد المشؤوم. من الجميل ان المؤتمر العربي العام الذي عقد في بيروت يوم 20 تشرين الثاني 2015 اشار الى ضرورة التهيؤ لملاقاة المئوية بمزيد من المقاومة، واشار الى ضرورة بذل مزيد من الاهتمام باحياء القرار 3379 وبموجبه قررت الجمعية العامة للامم المتحدة ان الصهيونية شكل من اشكال العنصري والتمييز العنصري. أحيي المؤتمر العربي العام وأدعو المناضل خالد عبد المجيد، امين سر فصائل المقاومة ليحدثنا عن مؤتمر بيروت. ثم لدينا برنامج حافل نجومه اعضاء الرابطة الدكاترة محمد خلف ودانيال بولص وابراهيم سعيد، وكل منهم حجة في ميدانه.

الخميس، 26 نوفمبر 2015

الرئيس ويلسون وجامعة برنستون وبلفور والعنصرية


الرئيس ويلسون وجامعة برنستون وبلفور والعنصرية

الرئيس الامريكي، الذي لولاه لما كان وعد بلفور، يتعرض لاتهامات بالعنصرية ضد السود، ولا مكان الغض من شأنه في الجامعة التي كان أبرز رؤسائها،

فلنتواصل مع متهميه مظهرين عنصريته ضد الفلسطينيين.

                                                                                   الدكتور جورج جبور

 رئيس الرابطة السورية للامم المتحدة

لعب الرئيس الامريكي وودرو ويلسون دورا عالميا محوريا في السنوات الاخيرة من الحرب العالمية الاولى وفي قيام عصبة الامم، رغم انه لم يستطع اقناع الكونغرس الامريكي بالانضمام اليها. انه والد مبدأ عظيم الشأن في القانون الدولي، هو مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. وبتدخله العسكري عام 1917 في الحرب العالمية الاولى كان الحسم ضد المانيا. ويعتبر كثيرون انه في ذلك العام كانت ولادة ما يوصف بانه " القرن الامريكي".

وفي امر مصير بلاد الشام بعد الانحسار- أو بالأحرى: الانكسار – العثماني عام 1918، كانت له مواقف معلنة تسجل له. فقد رفض الاتفاقيات السرية، وعنوانها الكبير اتفاق سايكس—بيكو. ومن اجل تطبيق مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، اوفد الى دمشق بعثة من شخصين هي بعثة كينغ – كرين، وصلت دمشق في حزيران عام 1919. وللتباحث مع البعثة تشكل المؤتمر السوري العام الذي نعتبره في سورية مجلسنا التشريعي الاول.

هكذا بدا الرئيس ويلسون للسوريين منقذا ومخلصا من آثام الاستعمار. وقد نظر اليه بهذه الصفة كثيرون منهم مفكر وسياسي وطني مرموق هو الدكتور عبد الرحمن الشهبندر. وضمن هذه الاجواء لم يكن غريبا ان تصفه جريدة حلب، التي اسسها الحكم الفيصلي عام 1918، بأنه " ابو البشر الثالث". ومن المفيد هنا اقتطاف فقرة مطولة من افتتاحية العدد 22 من جريدة حلب الصادر في 20 شباط 1920:

" بحث كثير من الناس عن الاسباب التي تؤدي الى دوام السلام وارتفاع الخصام، الا ان الطريقة التي وضع اساسها ويلسون الكبير لتكون دستورا عاما فيما يستقبل من الايام وهي ان تستقل كل امة بالنظر في شؤون نفسها، وان لا يبقى من سلطان غير سلطان العدالة والاخاء العام، هي الكفيلة بابطال الحروب وتخليص الانسانية من ويلاتها. واذا صح ان يسمى نوح ابا البشر الثاني لأنه خلصهم من الطوفان، فويلسون أبوهم الثالث، لأنه خلصهم من طوفان الاستعمار الجائر، الذي قضى على راحة الحكام وسعادة المحكومين" (التشديد مضاف من الكاتب).

لم تكن غبية جريدة الحكم اذ قالت ما سبق في وقت كانت فيه بلاد الشام تنتظر البعثة الامريكية. لا تبرير للتزلف الكبير الذي اظهرته وهو يتضمن اعتبار ويلسون متفوقا في ابوته للبشر على انبياء الله الذين باسمهم اقترنت الديانات السماوية، الا ان "استرضاء" الرئيس الامريكي، كما توهم كاتب الافتتاحية، كان بابا لبلوغ الاهداف الوطنية. علق السوريون على البعثة آمالهم في التحرر والوحدة. وكان اهم ما طالبوا به البعثة الغاء وعد بلفور. ما كانوا يجهلونه هو ان الرئيس الامريكي وافق على وعد بلفور قبل اصداره مبدئه بحق الشعوب في تقرير مصيرها. هنا يثور بالطبع سؤال خطير: متى عرف السوريون خاصة، والعرب والمسلمون عامة، بدور الرئيس ويلسون في عملية اصدار بريطانيا وعد بلفور؟ يتفرع هذا السؤال من سؤال آخر: متى عُرِفَ عالميا دور ويلسون في عملية الاصدار ؟ تلك نقطة هامة لم ابحث فيها، وهي بالتأكيد تستحق البحث. الا ان ما هو ثابت الآن ان بريطانيا ما كانت لتصدر الوعد في التاريخ الذي أصدرته به لولا تلقيها موافقة مسبقة عليه من الرئيس الامريكي.

 ثم ان من الواضح الآن ان تقرير البعثة الامريكية ما كان له اي حظ في ان يأخذه ويلسون بعين الاعتبار، نظرا لارتباطه المسبق بالموافقة على وعد بلفور. ولما كان من المرجح ان ويلسون لم يكن، قبل ايفاده البعثة، على جهل تام بمشاعر السوريين ازاء الوعد، فمن الممكن جدا ان البعثة انما كانت كلها محاولة خداع، هدفها تقديم ويلسون الى السوريين على نحو جميل. وقد نجحت المحاولة كما اظهر المقتطف السابق. بل وقد استمر نجاح المحاولة حتى الخمسينات على الاقل. ففي ما درسته في المرحلة قبل الجامعية في كتب التاريخ السورية المقررة كان مديح ويلسون سافرا، تقابله ادانة سافرة لبلفور، علما انه لولا ويلسون لما كان بلفور، او على الاقل لما كان في التاريخ الذي به صدر. بل واذهب الى مدى ابعد، فأزعم ان صورة ويلسون ما تزال ناصعة في مجمل ما نعرفه عنه، وان من النادر ان نرى مؤلفين عربا يتوقفون في بحثهم حق تقرير المصير عند موقف ويلسون المزري اخلاقيا من حق السوريين في تقرير مصيرهم. ويبقى من الضروري القول بان ما ذهبت اليه يتطلب توثيقا ادق من قبل دارسي التاريخ السوري وتاريخ ويلسون السياسي والشخصي.

وكل ما سبق تاريخ قديم لا مبرر لي بالعودة اليه الآن في جريدة يومية لولا ما قرأته قبل ايام في عدد الثلاثاء 24 تشرين الثاني 2015 من جريدة الانترناشنال نيويورك تايمز.

في الصفحة السابعة من تلك الجريدة مقال مطول عن اتهامات بالعنصرية موجهة الى ويلسون بسبب اقوال فاه بها واعمال قام بها ازاء مواطنيه الامريكيين من اصول افريقية. فمن اقواله انه يتطلع الى" كو كلوكس كلان كبير يخلص البيض من العبء الثقيل الذي تتحمله الحكومات جراء اصوات السود الجهلة". ومن افعاله انه طهر الحكومة الفدرالية من السود، وتراجع عما حققه السود من تقدم في طريق التمتع بالحقوق التي بلغوها نتيجة الحرب الاهلية. ثم ان الرئيس ويلسون اشتهر برئاسته جامعة برنستون. قبل رئاسته لها لم يكن قد دخلها اي طالب اسود. واستمر الحال كذلك أثناء رئاسته الطويلة لها، رغم ان جامعات اخرى توسعت آنذاك في قبول الطلاب السود.

قالت الجريدة ان "حلف العدالة الأسود". وقد شكله الطلاب السود في جامعة برنستون قبل عام، يتابع ايضاح حقيقة المواقف العنصرية للرئيس ويلسون، ويقدم مطالب للجامعة هدفها تقليل التقديس الذي تظهره الجامعة لرئيسها الاسبق. وهكذ فستكون هناك اسئلة توجه الى الطلاب حول آرائهم في ازالة بعض نصب او صور ويلسون من أمكنة بارزة في الجامعة.

أكتفي بهذا التلخيص لمقال غني بالمعلومات عن الرئيس الأمريكي الذي لولاه لما صدر وعد بلفور في التوقيت الذي صدر به، والذي كنا، نحن سكان بلاد الشام، ضحية حملة مخادعة نظمها الرئيس ومؤيدوه فآعلناه ابا ثالثا للبشر.

وأختم بما يهمنا اليوم ومئوية وعد بلفور تقترب. العنصريون ملة واحدة. لا يمكن لامريكي يمارس العنصرية ازاء مواطنيه من أصل افريقي الا ان يكون عنصريا ازاء السوريين، والفلسطينيون منهم. وما يهمنا اليوم ان يجند طلبة همهم العدالة من اجل فلسطين، وفي الطليعة طبعا الطلبة الفلسطينيون، ان يجندوا أنفسهم للتواصل مع الحلف الطلابي البرنستوني، فيكون في القاء الضوء على موقف ويلسون المؤيد لوعد بلفور ما يفيد في وضع لمسات الكمال على وصمه بالعنصرية. ولنتذكر ان رسالة هرتزل الى رودس في عام 1902 كان لها أثرها في اصدار الجمعية العامة للامم المتحدة قرارها رقم 3379 عام 1975 وبموجبه تقرر ان الصهيونية شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري.

دمشق في 26 – 11 – 2015

الخميس، 19 نوفمبر 2015

جبور ومؤسسة دراسات الوحدة العربية: صفحة واحدة للتاريخ

في 19 – 3 –1973نشرت مجلة البلاغ البيروتية الاسبوعية المحتجبة مقالا على كامل الصفحة 43 تحت عنوان " الدكتور جورج جبور: مطلوب مؤسسة للدراسات الوحدوية".  تحدث المقال عن محاضرة للدكتور جبور -- الكاتب السوري، كما وصفته المجلة -- القاها في قاعة النادي الثقافي العربي في بيروت.  قدم المحاضر الى الجمهور الاستاذ جوزيف مغيزل، مؤسس ورئيس المنظمة اللبنانية لحقوق الانسان، وقد سمي وزيرا في وقت لاحق.

أكتب في 17 – 11 – 2015 بعد ثلاثة ايام من العودة من بيروت حيث شاركت في ندوة حاشدة عن مستقبل التغيير في الوطن العربي، نظمها مركز دراسات الوحدة العربية.  وكانت ندوة ذات قيمة معرفية جيدة. والشئ بالشئ يذكر كما يقال. تذكرت تلك الصفحة من مجلة البلاغ، فأحببت اطلاع بعض زملاء الندوة على ما ورد فيها. واسارع الى التعبير عن التقدير للمركز الذي اسسه ويديره الدكتور خير الدين حسيب، وهو تقدير عبرت عنه في تعقيبي على بحث د. حسيب الختامي في الندوة آنفة الذكر.

أعود الى مقال المجلة في تلخيصها محاضرتي البيروتية، فاختار بعض الفقرات.

اقتطف المقال من المحاضرة ما يلي:

" يتولى الغربيون دراستنا أكثر مما نتولى نحن دراسة انفسنا. هذا الواقع غير الصحي مرشح لكي يزداد سوءا اذا لم نبادر الى تصحيحه. "

" ويضيف الدكتور جبور قوله انه لا يعارض استيراد الافكار، لكنه يعارض استيراد الافكار عن أنفسنا من الغرب"

" ويخلص الدكتور جبور الى القول اننا اذا اردنا ان لا نفقد هويتنا الثقافية، فعلينا ان نعنى بدراسة انفسنا.."

 ويتابع المقال عن المحاضر قوله " ان المسؤولين العرب يحترمون الباحثين الغربيين أكثر مما يحترمون الباحثين العرب. ومن الواجب ان يكون الأمر معكوسا وان يصبح خبراء العرب من العرب لا من المستشرقين "

" وختم الدكتور جبور محاضرته داعيا الى ضرورة جمع الاختصاصيين العرب في العلوم الاجتماعية في رابطة مهنية واحدة تمهيدا لتأسيس مركز للبحوث الوحدوية العربية ........ وقد جرت حتى الآن محاولة واحدة عام 1965 قامت بها منظمة الطلبة العرب في امريكا، لكن تلك المحاولة فشلت".

ثم انهت المجلة مقالها عن المحاضرة كما يلي:"ونحن نضم صوتنا لصوت الدكتور جبور، ونتمنى للمركز العربي  للأبحاث الوحدوية  ان يرى النور في اقرب فرصة".

بعد اقل من شهر على نشر المقال عن المحاضرة، وبالتحديد في 12 – 4 – 1973 ، أصدر الرئيس حافظ الأسد القرار رقم 38 ، وبه شكل لجنة من أربعة اشخاص هم رئيس مكتب الثقافة في القيادة القومية ووزيري التعليم العالي والتربية  والدكتور جبور " مهمتها دراسة امكانية انشاء مركز بحوث ودراسات عربية لتوضيح وتعميق فكرة الوحدة العربية يرتبط بوزارة التعليم العالي  او بجامعة دمشق".

في عام 1971 تبنى الرئيس الاسد اقتراحي بإنشاء مؤسسة دراسات الاستعمار الاستيطاني المقارن في العالم. وفي عام 1973 صدر القرار 38 آنف الذكر.  فماذا جرى بعد ذلك؟

بين 19 و 21 – 10- 2009 عقد في عمان مؤتمر عنوانه " مشاريع التغيير في المنطقة العربية  ومستقبلها" . في بحثي الذي قرأته في المؤتمر وردت الفقرة التالية عن مصير المؤسستين:

" أشعرني بالعجز، ولم اعجز، الاسلوب الذي تمت به المتابعة الرسمية لاستجابة الرئيس الاسد لاقتراحي بإنشاء مؤسستين متكاملتين. وقريبا انشر – ان شاءت الظروف – مئات وربما آلاف المذكرات   الموجهة للرئيس الاسد حول الاسلوب الذي تمت به متابعة استجابته للاقتراحين بإنشاء المؤسستين. وتمتد هذه المذكرات على مدى زمني يقترب من اربعة عقود، اي منذ عام 1971 والى الآن"(من كتاب : نحو علم عربي للسياسة، طبعة ثالثة مزيدة، دمشق، الادارة السياسية للجيش والقوات المسلحة ، تشرين الاول، اكتوبر ، 2010 ، ص 292).                   هي صفحة واحدة للتاريخ.

دمشق في 17 تشرين الثاني نوفمبر 2015                                                   جورج جبور

مذكرة عن الابراهيمي الى الرئيس: 25 – 9 – 2015

سيادة رئيس الجمهورية الموقر:
 

أطيب التحية وبعد:

قابلت الاستاذ الأخضر الابراهيمي لمدة نصف ساعة مساء هذا اليوم السبت: 7:20 – 7:50. استعراض بعض الذكريات المشتركة من أيام عمله في جامعة الدول العربية أخذ قسما لا بأس به من الوقت. كنت قد ضمنت بعضا من خبرتي معه في كتابي: الجمعية العربية للعلوم السياسية (دمشق 2005)، واوردت به رسالته الي، وبها يقول انه تعلم الكثير من بحث لي عنوانه: نحو علم عربي للسياسة.
 

وفي الشأن السوري اوضحت له بعض جوانب سألني عنها. الححت عليه في ان يسعى الى تغيير الموقف الامريكي مستفيدا من احداث الايام الاخيرة.
 

حدثته ايضا عن حلف الفضول -- ولم يكن يعرف عنه شيئا --، كما حدثته عن سبقي في مطالبة الامم المتحدة بالتعطيل في الاعياد الاسلامية، هذا السبق الذي امتدحه الرئيس بوتفليقة.
 

 10،00 مساء 15 -- 9-- 2012                                     جورج جبور
 

ارسلت المذكرة اعلاه، بخط اليد، عن طريق الفاكس، الى فاكس مدير المكتب الخاص لرئيس الجمهورية العربية السورية. لم يردني اي تعقيب عليها.

تم التنضيد صباح السبت 7 – 11 – 2015، بمناسبة انعقاد " ندوة مستقبل التغيير في الوطن العربي"، بيروت، 8—12 تشرين الثاني نوفمبر 2015.

 

الاثنين، 26 أكتوبر 2015

جبور وأول مقال منشور: 28 – 1 – 1956

نشرت جريدة الحضارة الدمشقية اليومية، بتاريخ 28 -- 1 -- 1956، على صفحتها الاولى، أول مقال   للطالب جورج جبور. جاء المقال بمناسبة زيارة الى سورية قام بها السيد داغ همرشولد، الامين العام للأمم المتحدة. ظهر المقال تحت العنوان التالي:

" رسالة الى شولد: لن نؤمن الا بدواء نصنعه نحن"

وهذا هو النص، بعد إجراء التصحيحات الطباعية:             

" أيها الامين العام:

عندما تنزل من الطائرة، وترسم على وجهك طيف ابتسامة، اعذرنا ان لم نرسم على وجوهنا أمثال ذلك الطيف.

عندما تغادر الطائر الميمون، وتنتشر في عينيك ملامح الهناء، اعذرنا ان لم تنتشر في عيوننا تلك الملامح.

لأننا استقبلنا منذ زمن سلفك، ورسمنا على وجوهنا اطياف الابتسام، ونشرنا في عيوننا ملامح الهناء، واكرمناه، واحتفينا به، وعلقنا على صدره اوسمة التقدير، ولكن قناعه انكشف، وإذا بنا نرى وجهه الحقيقي، وإذا به وجه صهيوني لئيم. ولا يزال، ايها الأمين، في حلقنا من مأساة الامل شجى، وفي حناجرنا غصة.

فاعذرنا ... اعذرنا إذا لحظت منا البرودة والفتور.

عندما يمضي بك روادك الى خيم تتلاعب بها الرياح، وتعبث بكيانها الزوابع، فلا تتحدث عن السلام، بل تحدث عن الحق المهضوم، وعن الباطل المسلح.  تحدث عن رأيك في الحقد، الحقد المرير الذي يسيطر على الملايين من العرب. تحدث عن البؤس المخيم على مليون عربي شردتهم عن اراضيهم أطماع الدول الاستعمارية والصهيونية الباغبة.

أيها الامين:

عندما تقف على احوال المليون عربي لا تهز كتفيك في لامبالاة وعدم اكتراث. فكر في البؤساء، لأنك تمثل الانسانية، ولأنك مسؤول عنهم، فهم حفنة من البشر.

وعندما تضيق بنظرات الازدراء والتحقير تنهال عليك، فاعذرنا لان الهيئة التي تتولى امانتها لم تكن امينة على الحق، حقنا نحن العرب.

 اعذرنا... إذا لم نمهد طريقك بالورود، ولم نفرش دربك بالزهور، ولم نعطر الاجواء بأريج الفل والزنبق، فليس في ايدينا ورود وزهور، وليس فيها فل وزنبق.

اعذرنا إذا لم تتحدث قلوبنا بغبطة اليك، ولم يظهر في نفوسنا الانشراح، اذ ان قلوبنا ونفوسنا تنضح بالحقد.

 وعندما تركب الطائر الميمون، لا بأس ان تنسى جراحاتنا وأحزاننا، لأننا لم نعد نؤمن بجدوى الأدوية، إذا لم تكن من صنع ايدينا.
الطالب جورج جبور". (انتهى).