السبت، 27 أبريل 2013

داود حيدو المطمئن العفيف

"من كتاب: داود حيدو: الغائب..الحاضر (دمشق، من منشورات الحزب الشيوعي السوري الموحد، 2013). يقع الكتاب في 320 صفحة ويشغل اهذا لمقال الصفحتين 277 و278."




وطني غيور، عالم اقتصادي، محب للجميع، مطمئن النفس، عفيف اليد. وبما أن العمل الذي من خلاله عرفه الناس أكثر ما عرفوه هو مهمته في مكتب تسويق النفط، فمعنى ذلك أن علينا وضع عفة اليد الأولى بين صفاته.


لا أذكر بالضبط متى عرفت داود حيدو أو متى التقيت به لأول مرة. من المرجح أنني قرأت له بعض مقالاته الاقتصادية أوائل السبعينات من القرن العشرين. من المرجح اننا تعارفنا آنئذ في إطار لجان دأب على تشكيلها الاتحاد العام لنقابات العمال لمعالجة مشاكل في طليعتها هجرة اليد العاملة. إلا أن صداقتي معه انعقدت بعد انتقالي إلى رئاسة مجلس الوزراء عام 1989 بناء على طلب قدمته إلى رئيس الجمهورية سائلاً إياه تغيير مكان عملي، بعد فشلي سنوات في لقائه. استقر رأيي أنه لايصح أن استمر مديراً لمكتب الرئيس للدراسات السياسية والعامة دون أن اتمكن من عرض أفكاري عليه مباشرة ومناقشتها معه.

كان الجو مريحاً في مجلس الوزراء حيث سعدت بصحبة كثيرين من أصدقاء قدامى وجدد. ضمن ذلك الجو توطدت صلاتي بالدكتور داود حيدو. لم أتبين من خلال توطد الصلات وطنيته وعلمه ودأبه وحسب، فقد كانت تلك الصفات مقترنة باسمه، منذ أطل على الحياة العامة. إلا أن التجاور في مكان العمل أضاف إلى صفاته اطمئنان النفس وعفة اليد. هو مطمئن إلى قدرته على القيام بمهمته الدقيقة، وهو يعمل في مجال النفط، تلك الطاقة المطوقة بالأسرار. ما ان يتسرب سر مع قطرة نفط حتى تنفلت من أطواقها الأسرار. إلا أن عفة يده لم تترك فسحة همس لهامس، بل لعلّ عفة يده كمنت وراء قول نسب إلى مسؤول كبير، بل إلى المسؤول الكبير، مؤداه أن ثقته كاملة بالشيوعيين في إدارة المرافق الاقتصادية.

سعدت وزوجتي ذات صيف بالدكتور داود حيدو وزوجته الأستاذة لويزا عيسى يطلان علينا بزيارة مفاجئة إلى المنزل في صافيتا. علمت إذ ذاك أنه صهر المنطقة. زوجته من مشتى الحلو، تلك البلدة الجميلة ذات التاريخ الفكري والسياسي الباذخ.
شيوعي من أقصى الشمال الشرقي اتحد في فكره ومشاعره مع شيوعية تجاور جبل السيدة وشاطئ طرطوس. يا لقوة الداس كابيتال وروعته!
ذات يوم أتانا حديث الناس بأن مكتب تسويق النفط متسلح بالتقنية الجديدة، بالفاكس. سألني متصل من خارج سورية عن رقم الفاكس لدي. أجبته: ليس لدي فاكس. كان الدكتور داود في هذه الأثناء يزورني في مكتبي. سمع اجابتي. بادر فأعطاني رقم الفاكس في مكتبه، فأصبح قيماً على جانب من اهتماماتي.
أعود أحياناً إلى فاكسات قديمة فأجد عليها إحالات الي بتوقيع رئيس مكتب تسويق النفط. في الكتابة شيء من الخلود، ومن الجميل ان اصدقاء الدكتور داود وعائلته اختاروا أن يعتنوا بتراثه الفكري وبتراثهم معه، وكان لي في المولد نصيب.
قبل أشهر من انتقاله إلى رحمة الله ضمتنا أمسية في منزل صديق مشترك. كان كما عهدته على مدى سنوات طويلة، واثقاً بنفسه، يمارس الحوار الذكي والانتقاد الهادىء الشجاع، يشيع في محيطه جواً من الاطمئنان والمحبة الدافئة. إلا أنني لاحظت وهناً أخذ يغزو جسده. لم أرافقه في أيامه الأخيرة إلا أنني واثق من أن الوهن لم يصل إلى داخله، وأن اطمئنان النفس كان سمة لحظات الانتقال. وكل نفس ذائقة الموت، وليكن ذكره مؤبداً!